مــروى حـسـن
لم يكن العام الأول من ولاية دونالد ترامب مجرد بداية إدارية تقليدية فى البيت الأبيض، بل لحظة اختبار حاسمة لموقع الولايات المتحدة فى نظام دولى يتغير بوتيرة متسارعة فمع وصول رئيس يرفع شعار «أمريكا أولًا»، وجد العالم نفسه أمام سؤال مركزى: كيف ستدير واشنطن علاقتها بقوتين عظميين تمثلان التحدى الأكبر لهيمنتها، الصين الصاعدة اقتصاديًا وروسيا الساعية لاستعادة ثقلها الجيوسياسي؟ بين خطاب تصادمى وسلوك براجماتى، وبين وعود إعادة ضبط العلاقات وواقع مؤسساتى مقاوم للتغيير، تشكلت خلال هذا العام ملامح علاقة أمريكية جديدة مع بكين وموسكو، تحكمها حسابات القوة أكثر مما تحكمها الشعارات، وتغلب عليها إدارة الخلاف لا تسويته، فى مشهد يعكس بداية مرحلة أكثر اضطرابًا فى السياسة الدولية.
منذ الأيام الأولى، تعاملت إدارة ترامب مع الصين باعتبارها التحدى الاستراتيجى الأعمق للولايات المتحدة، ليس فقط بسبب حجمها الاقتصادى، بل لقدرتها المتزايدة على ترجمة هذا التفوق إلى نفوذ سياسى وتكنولوجى عالمى سياسيًا، اتسمت العلاقة بمزيج من الحذر والضغط، حيث أعادت واشنطن التأكيد على حضورها فى شرق آسيا، وأبدت تشددًا فى ملفات مثل بحر الصين الجنوبى وتايوان، فى محاولة لطمأنة الحلفاء واحتواء التمدد الصينى، وإن بدا ذلك أحيانًا متناقضًا مع خطاب ترامب المتشكك فى قيمة التحالفات التقليدية. ورغم هذه التوترات، حافظ الطرفان على قنوات تواصل مفتوحة، إدراكًا منهما أن الصدام السياسى المباشر قد يفتح الباب أمام أزمة دولية واسعة يصعب احتواؤها.
اقرأ أيضًا | برلمانية: خطاب ترامب يعكس ثقل مصر الإقليمي وأولوية الأمن المائي
اقتصاديًا، تحولت العلاقة الأمريكية - الصينية فى عام ترامب الأول إلى ساحة المواجهة الأبرز. فقد تبنّت واشنطن نهجًا أكثر صدامية فى التعامل مع العجز التجارى، واتهمت بكين بممارسات غير عادلة تتعلق بالدعم الحكومى ونقل التكنولوجيا وحماية الملكية الفكرية.
فى المقابل، رأت الصين أن هذه السياسات تمثل محاولة صريحة لكبح صعودها وإعادة صياغة قواعد التجارة الدولية بما يخدم المصالح الأمريكية ومع ذلك، ظل التشابك الاقتصادى العميق بين البلدين عامل كبح أساسيا للتصعيد، حيث فرضت سلاسل الإمداد العالمية وتشابك الأسواق نوعًا من التوافق الاضطرارى الذى منع القطيعة الكاملة، حتى فى ذروة التوتر.
وفى خلفية هذا الصراع التجارى، برزت ملفات التكنولوجيا المتقدمة والهيمنة الصناعية بوصفها جوهر الخلاف الحقيقى، إذ لم تعد المسألة مقتصرة على الرسوم الجمركية، بل امتدت إلى مستقبل الابتكار والذكاء الاصطناعى وشبكات الاتصال، ما منح الصراع بعدًا بنيويًا طويل الأمد يتجاوز الحسابات الاقتصادية الآنية، ويعكس إدراكًا أمريكيًا بأن المنافسة مع الصين هى صراع على قيادة النظام الدولى نفسه.
أما العلاقة مع روسيا، فقد اتسمت منذ البداية بتناقض واضح بين الخطاب والرؤية المؤسسية فعلى المستوى السياسى، أبدى ترامب رغبة معلنة فى تحسين العلاقات مع موسكو، معتبرًا أن التعاون معها قد يكون ممكنًا فى بعض الملفات الدولية.
غير أن هذه الرغبة اصطدمت سريعًا بمواقف الكونجرس والمؤسسات الأمنية الأمريكية، التى واصلت التعامل مع روسيا باعتبارها خصمًا استراتيجيًا، خاصة فى ضوء ملفات أوكرانيا والتدخلات السيبرانية والنفوذ الروسى المتنامى فى الشرق الأوسط.
ونتيجة لذلك، تشكلت سياسة أمريكية مزدوجة، تجمع بين لهجة أقل تصعيدًا من البيت الأبيض، واستمرار الضغوط والعقوبات من بقية مؤسسات الدولة. اقتصاديًا، لم تحظَ العلاقات الأمريكية - الروسية بثقل مماثل للعلاقة مع الصين، إذ ظلت محكومة بإطار العقوبات الذى حدّ من فرص التعاون الواسع.
ومع ذلك، ظهرت مساحات تلاقٍ غير مباشرة، خاصة فى أسواق الطاقة العالمية، حيث تداخلت مصالح الطرفين أحيانًا فى الحفاظ على استقرار الأسعار، دون أن يرتقى ذلك إلى مستوى شراكة اقتصادية واضحة أو معلنة.
تكشف المقارنة بين المسارين الصينى والروسى أن إدارة ترامب فرّقت بوضوح بين نوعى التحدى فالصين مثلت تهديدًا بنيويًا طويل الأمد للتفوق الاقتصادى والتكنولوجى الأمريكى، بينما بدت روسيا تحديًا جيوسياسيًا مزعجًا لكنه محدود القدرات الاقتصادية.
هذا التمييز انعكس فى أدوات التعامل، حيث لجأت واشنطن إلى الضغط الاقتصادى الشامل فى مواجهة بكين، مقابل سياسة احتواء وضبط إيقاع مع موسكو، تهدف إلى منعها من توسيع نفوذها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. فى النهاية، يكشف العام الأول من ولاية دونالد ترامب أن السياسة الأمريكية تجاه الصين وروسيا لم تكن محاولة لإعادة بناء علاقات مستقرة بقدر ما كانت سعيًا لإعادة تعريف حدود القوة الأمريكية فى عالم لم يعد أحادى القطبية.
فقد اختارت واشنطن إدارة التنافس بدلًا من احتوائه بالكامل، واختبار الخصوم بدلًا من مصالحتهم، فى مقاربة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن ميزان القوى الدولى لم يعد قابلًا للضبط عبر الأدوات التقليدية وحدها.
وبينما بدت هذه السياسة قادرة على تأجيل لحظة الصدام، فإنها فى الوقت ذاته أسست لمرحلة طويلة من الاحتكاك الاستراتيجى، حيث تصبح العلاقات مع بكين وموسكو ساحة مفتوحة لاختبار الإرادات، لا لحسم الصراعات، ما يجعل مستقبل النظام الدولى أكثر غموضًا، وأقل قابلية للتنبؤ، وأكثر عرضة للاهتزاز مع كل تحول جديد فى موازين القوة العالمية.
انقسام إسرائيلى حاد بشأن لبنان ونتنياهو تحت ضغط شعبى متصاعد
«هزيمة نادرة»| الكونجرس الأمريكى يضيق الخناق على ترامب
المنطقة فوق برميل بارود| خامنئى: لن نتراجع.. وترامب يحذر من تجاوز الخطوط الحمراء







