تلوح فى الأفق ملامح انفراجة دبلوماسية مرتقبة فى أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا فى المنطقة «سد النهضة»، انفراجة تحملها رسالة مودة وتقدير من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى، واستقبلتها القاهرة بترحاب يعكس ثقة راسخة فى عدالة الموقف المصرى وشرعيته التاريخية.
من البيت الأبيض إلى قصر الاتحادية، جاءت «رسالة الود» لتعيد ضبط البوصلة فى ملف نهر النيل، متضمنة اعترافًا صريحًا بالدور المحورى للرئيس السيسى، رجل الدولة وصانع السلام، الذى تراهن عليه واشنطن فى أكثر قضايا الإقليم تشابكًا وخطورة.
رسالة ترامب ارتكزت على دعامتين واضحتين، الأولى الصداقة الشخصية التى طالما وصفها ترامب بـ«الكيمياء الواضحة» والتقدير المتبادل بين الزعيمين، والثانية الثقل الإقليمى لمصر، وإدراك الولايات المتحدة أن القاهرة تمثل حجر الزاوية فى استقرار الشرق الأوسط والقارة الإفريقية.
وجاء رد الرئيس السيسى حاسمًا، ويؤكد ثبات الموقف المصرى الذى لم يتغير، مصر ترحب بأى وساطة جادة، لكنها فى الوقت ذاته متمسكة بحقها التاريخى فى الحياة، ورافضة لأى مساس بأمنها المائى.
رؤية الرئيس السيسى التى لم تحِد يومًا عن منطق التوازن، قامت دائمًا على عنصرين متلازمين، حق إثيوبيا فى التنمية، وعدم الإضرار بدولتى المصب، والحفاظ على الحصة التاريخية لمصر البالغة ٥٥ مليار متر مكعب سنويًا، وضمان عدم المساس بالأمن المائى للشعب المصرى.
وعلى مدار سنوات طويلة، مارست القاهرة سياسة ضبط النفس فى مواجهة الاستفزازات، واعتمدت دبلوماسية «النَفَس الطويل» فى واحد من أعقد ملفات القارة الإفريقية، ورغم تعاقب مراحل التعقيد وتعدد المحطات الصعبة، تمسكت مصر بالحوار السلمى خيارًا استراتيجيًا، واحتكمت إلى مبادئ القانون الدولى المنظمة للأنهار العابرة للحدود، دون أن تفرط فى قطرة ماء تمس حياة أبنائها.
رسالة ترامب تحمل فى طياتها فرصة حقيقية لانفراجة فى هذا الملف الشائك، مستندة إلى خبرة أمريكية سابقة، فخلال الولاية الأولى لترامب، كانت واشنطن قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى اتفاق نهائى جاهز للتوقيع عام ٢٠١٩ لولا الغياب المفاجئ للجانب الإثيوبى عن الجلسة الختامية.
وبعد إعلان إثيوبيا التدشين الرسمى للسد فى سبتمبر ٢٠٢٥، فرض الواقع الجديد تحديات مضاعفة، أبرزها ثنائية «الفيضان الشديد والجفاف الممتد»، ما جعل التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم ضرورة لا تحتمل التأجيل، فمصر والسودان بوصفهما دولتى المصب، بحاجة إلى ضمانات واضحة لقواعد التشغيل فى سنوات الفيضان العالى، وآليات دقيقة للتعامل مع فترات الجفاف الممتد، بما يضمن استمرار تدفق المياه ويحمى استقرار شعوب المنطقة.
رؤية الرئيس السيسى تنطلق من مبدأ ثابت «النيل نهر للرخاء لا ساحة للصراع»، والموقف المصرى يظل نموذجًا لدبلوماسية حازمة وهادئة وعادلة، توازن بين طموحات التنمية وحق البقاء، ومع دخول «وساطة ترامب» على خط الأزمة، تتطلع الأنظار إلى أن تنتصر لغة العقل والمصالح المشتركة على سياسات فرض الأمر الواقع، ليبقى النيل دائمًا شريانًا للخير والحياة.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







