حتشبسوت| امرأة كسرت كل القواعد الصارمة وحكمت مصر بـ «لحية مستعارة»

الملكة المصرية القديمة حتشبسوت
الملكة المصرية القديمة حتشبسوت


في أروقة قصور مصر القديمة، كانت أكثر ما تطمح إليه المرأة الوصول إلى لقب "زوجة الملك" أو "أم الملك"، لكن ظهرت امرأة كسرت كل القواعد الصارمة، وأعادت كتابة الدستور الملكي بالكامل، فارتدت "اللحية المستعارة" في عصر كان العرش فيه حكرًا على الرجال، فحكمت مصر بذكاءها لا بجمالها.

اقرأ أيضًا | ما فعلته أعظم بكثير عن من سبقوها.. الملكة حتشبسوت نقطة بارزة في تاريخ مصر

بداية الحكاية.. ابنة الملوك وزوجة القدر

وكشف د.محمود حامد الحصري مدرس الآثار واللغة المصرية القديمة جامعة الوادي الجديد، في حواره لـ "بوابة أخبار اليوم" أن حكم حتشبسوت، لم يكن مجرد استثناء عابر، بل تجربة سياسية واقتصادية ودينية متكاملة، تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الدولة الحديثة، وجعلت اسمها واحدًا من أكثر الأسماء إثارة للجدل والدراسة في علم المصريات.

النشأة والخلفية الملكية

وُلدت حتشبسوت في كنف الأسرة الثامنة عشرة، وهي الابنة الكبرى للملك تحتمس الأول وزوجة الملكة أحمس، نشأت في البلاط الملكي، وتلقت تعليمًا مكّنها من فهم شؤون الحكم والدين والإدارة، وهو ما هيأها لاحقًا للعب دور محوري في إدارة الدولة.

تزوجت حتشبسوت من أخيها غير الشقيق تحتمس الثاني، ابن الملك تحتمس الأول من زوجة ثانوية تُدعى موت نفرت.

وبسبب وفاة إخوته الأكبر سنًا، اعتلى تحتمس الثاني العرش، وكانت حتشبسوت زوجته الملكية الرئيسية، إلا أن هذا الزواج لم يُثمر وريثًا ذكرًا، إذ أنجبت حتشبسوت ابنة واحدة هي نفرت رع.

الوصاية ثم اعتلاء العرش

عند وفاة تحتمس الثاني حوالي عام 1479 قبل الميلاد، انتقل الحكم اسميًا إلى ابنه تحتمس الثالث، المولود من زوجة ثانوية تُدعى إيزيس، وبسبب صغر سنه، تولت حتشبسوت منصب الوصاية، وهو دور مألوف في التاريخ المصري.

في السنوات الأولى، أدت حتشبسوت دور الوصية التقليدية، لكن مع نهاية السنة السابعة من حكم تحتمس الثالث، حدث تحول جذري؛ إذ أعلنت نفسها ملكة متوجة، واتخذت الألقاب الملكية الكاملة، لتصبح حاكمًا مشاركًا، بل الحاكم الفعلي للدولة، ومنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة فريدة في التاريخ المصري، حيث حكمت امرأة مصر بصفة فرعون.

- الصورة الملكية والرمزية السياسية

في بدايات حكمها، صُوِّرت حتشبسوت وفق التقاليد الأنثوية، لكنها سرعان ما اعتمدت الصورة الرمزية للفرعون الذكر، فظهرت في النقوش والتماثيل بجسد ذكوري، مرتدية التاج الملكي واللحية المستعارة.

لا يُعد هذا التحول محاولة لإنكار أنوثتها، بل التزامًا بالتقاليد الفنية والدينية المصرية، التي كانت ترى أن الفرعون يجب أن يُصوَّر وفق نموذج محدد يمثل السلطة والنظام الإلهي، وبهذا، لم تغيّر حتشبسوت النظام، بل استخدمته بذكاء لتثبيت شرعيتها.

- الإدارة والدعم السياسي

لم تُفصح حتشبسوت صراحة عن كيفية إقناع النخبة الحاكمة بتوليها العرش، إلا أن نجاحها يعكس دعمًا قويًا من كبار المسؤولين، فقد أحاطت نفسها بمجموعة من الإداريين الأكفاء والمخلصين، وسيطرت من خلالهم على مفاصل الدولة.

ويُعد سننموت أبرز هؤلاء المسؤولين؛ إذ شغل منصب المشرف على جميع الأعمال الملكية، وكان معلمًا للأميرة نفرت رع، ورغم كثرة التكهنات حول طبيعة العلاقة بينه وبين الملكة، فإن المصادر التاريخية لا تقدم دليلًا قاطعًا على وجود علاقة شخصية تتجاوز الإطار الرسمي.

- السياسة الخارجية والتجارة

اتسم عهد حتشبسوت بطابع سلمي واضح، حيث اعتمدت سياستها الخارجية على التجارة والدبلوماسية بدلًا من الحملات العسكرية المستمرة، ومع ذلك، تشير بعض النقوش إلى تنفيذ حملة محدودة وناجحة في النوبة لتأمين الحدود الجنوبية.

أما الإنجاز الأبرز، فكان الرحلة التجارية البحرية الشهيرة إلى بلاد بونت، الواقعة على سواحل شرق أفريقيا، وقد جلبت هذه البعثة ثروات ثمينة، من بينها الذهب، والأبنوس، وجلود الحيوانات، وقرود البابون، والمر، إضافة إلى أشجار المر الحية التي زُرعت في معابد طيبة، في إنجاز غير مسبوق يعكس اهتمامها بالاقتصاد والطقوس الدينية معًا.

- مشاريع البناء والنهضة المعمارية

كان البناء والترميم من أهم واجبات الفرعون، وقد أولت حتشبسوت هذا الجانب اهتمامًا بالغًا، نفذت برنامجًا معماريًا واسعًا، ركّز بشكل خاص على معابد الإله آمون رع، الإله القومي لمصر.

في مجمع معابد الكرنك، أعادت تنظيم بعض أجزائه، وأقامت المسلات الضخمة، وبنت المصلى الأحمر، وفي بني حسن، شيدت معبدًا صخريًا عُرف لاحقًا باسم «سبيوس أرتيميدوس».

أما أعظم إنجازاتها المعمارية، فكان معبدها الجنائزي في الدير البحري، الذي يُعد تحفة معمارية فريدة، صُمم على مستويات متدرجة، وضم مصليات مكرسة لعدد من الآلهة مثل آمون رع، وأوزيريس، وحتحور، وأنوبيس، إلى جانب تكريم الأسلاف الملكيين.

نهاية الحكم ومحاولة محو الذاكرة

في أواخر عهدها، بدأت حتشبسوت تمنح تحتمس الثالث دورًا متزايدًا في شؤون الحكم، حتى أصبحت السلطة تنتقل إليه تدريجيًا، وبعد وفاتها، حكم تحتمس الثالث منفردًا قرابة 33 عامًا.

وفي نهاية عهده، جرت محاولات منظمة لمحو آثار حتشبسوت، حيث هُدمت تماثيلها، وشُوهت نقوشها، وحُذف اسمها من قوائم الملوك، وقد فُسرت هذه الأفعال سابقًا على أنها انتقام، إلا أن الرأي الأحدث يرجح أنها كانت خطوة سياسية لضمان تسلسل ملكي ذكوري متصل دون سابقة أنثوية.

العود

ظل اسم حتشبسوت غامضًا حتى القرن التاسع عشر، عندما أدى فك رموز الكتابة الهيروغليفية عام 1822 إلى إعادة قراءة نقوش الدير البحري، ورغم ما سببته صورتها الذكورية من التباس في البداية، فإن الدراسات الحديثة أعادت لها مكانتها بوصفها واحدة من أنجح حكام مصر القديمة.

لم تكن حتشبسوت مجرد امرأة جلست على العرش، بل كانت تجربة سياسية متكاملة أثبتت أن الكفاءة والحنكة قادرتان على تجاوز القيود الاجتماعية.
إن حكمها السلمي، ونهضتها العمرانية، ورؤيتها الاقتصادية، جعلت منها نموذجًا فريدًا في تاريخ الحضارات القديمة، واسمًا خالدًا في سجل أعظم حكام مصر.