الفتوى الرقمية تثير الجدل.. «ChatGPT» مُفتي الشباب الجديد

صورة موضوعية
صورة موضوعية


■ كتبت: منى سراج

في منتصف الليل، وبينما كان أحمد (22 عامًا) يتصفح هاتفه، خطر له سؤال ديني شائع: هل ما يفعله حلال أم حرام؟ لم يتجه أحمد إلى إمام المسجد، ولم ينتظر برنامج فتوى، بل فتح تطبيق ChatGPT على هاتفه وكتب: «ما حكم عقوق الوالدين في الإسلام؟» وبعد ثوانٍ معدودة تلقى إجابة طويلة ومرتبة تبدأ بآية قرآنية وتنتهى بعبارة «والله أعلم».

ويقول أحمد: «شعرت بالاطمئنان، والإجابة بدت واثقة ومقنعة. لكن السؤال الأكبر: هل ما فعله حالة فردية، أم أننا أمام سلوك جديد يعيد تشكيل العلاقة بين الناس والفتوى الدينية؟».

لم يعد أحمد وحده، خلال هذا التحقيق الذى أجرته مجلة «آخرساعة» وتحدثنا مع 12 شابًا وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا، أقر 9 منهم بأنهم استخدموا ChatGPT أو أدوات ذكاء اصطناعى مشابهة للسؤال عن أمور دينية، الأسئلة لم تكن سطحية، بل شملت أحكام الصلاة، الصيام، العلاقات العاطفية، القروض، البنوك، الطلاق والزواج.

تقول «سارة» (29 عامًا): «لم أكن أبحث عن فتوى رسمية، فقط أردت أن أفهم. والحقيقة أن الذكاء الاصطناعى يشرح بلا توبيخ».

ويضيف «مروان» (34 عامًا): «أنا لا أستفتيه، لكن أرتب أفكارى قبل أن أقرر».

◄ اقرأ أيضًا | 50 مليون يفقدون الخدمة| ميتا تحظر «ChatGPT» على واتساب.. إليك البدائل

فهل يتحول تطبيق الذكاء الاصطناعي الأشهر إلى مفتى رقمي، أم أننا أمام خطر دينى صامت؟

تروى «م.ن»، سيدة فى منتصف الثلاثينات، تجربتها مع ChatGPT فى فتوى متعلقة بقرار شخصي: «طرحت على التطبيق سؤالًا عن إمكانية استمرار عقد زواجى بعد خلافات عائلية مستمرة نتج عنها طلاقى للمرة الثالثة، وكانت الإجابة نصيحة شبه شرعية أظهرت أن الأمور ليست ملزمة. شعرت بالاطمئنان، لكن لاحقًا اكتشفت بعد استشارة عالم دين أن الاعتماد على الرد الرقمى كاد يوقعنى فى خطأ شرعى».

هذه التجربة تعكس خطر الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعى فى الفتوى دون الالتزام بالمرجعيات الشرعية الرسمية، فالحد الفاصل بين الفهم والفتوى يبدو ضبابيًا، ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستصبح الشاشات المرجع الأول، أم سيبقى العلماء التقليديون الحصن الأخير للفتوى؟

د. عطا السنباطى أستاذ الفقه المقارن لا ينفى ما يتيحه الذكاء الاصطناعى من فرص معرفية، معتبرًا أنه أداة يمكن الاستفادة منها فى الاطلاع العام واستئناس الآراء، طالما ظل استخدامها ضمن هذا الإطار المحدود.

ويشير إلى أن الخطورة تبدأ عندما يتحول الذكاء الاصطناعى من وسيلة مساعدة إلى مرجع بديل فى قضايا تمس مصائر الناس، وعلى رأسها الفتوى والتشخيص الطبي.

ويشرح: «الفتوى بطبيعتها لا تبنى على السؤال المجرد وحده، إذ كثيرًا ما يغفل السائل تفاصيل حاسمة أو يجهل أثرها فى تغيير الحكم الشرعي. وهذه التفاصيل لا تنكشف إلا عبر حوار متدرج وتفاعل إنسانى مباشر يسمح للمفتى بفهم الواقع المحيط بالحالة، وليس الاكتفاء بنص السؤال فقط».

ويؤكد أن هذا النوع من الفهم لا يمكن أن توفره الأنظمة الذكية التى تعجز عن التقاط ما بين السطور أو قراءة السياق الإنسانى الكامل، كما أن إصدار الفتوى يتطلب تتبع المراجع والموازنة بين الأقوال والتحقق والتوثيق بدقة، وهى عملية اجتهادية مركبة تتجاوز قدرات أى نظام آلى يعمل خارج الإطار البشري.

ويختم قائلًا: «فى النهاية، هو سلوك رقمى ناشئ فى المجال الديني، وقد يتحول إلى ظاهرة حقيقية أو يتراجع بحسب طريقة التعامل الإعلامى والدينى معه. حتى الآن، المرجع الدينى التقليدى - العلماء ودور الافتاء - هو المعترف به، بينما كثير من المستخدمين يلجأون للذكاء الاصطناعى للفهم لا للإفتاء الرسمي. وهناك رفض وتحذير واضح من مؤسسات دينية، مما يعيق تحوله إلى ظاهرة مكتملة».

بين الشاشة والمنبر، الشباب يبحثون عن الفتوى الرقمية عبر ChatGPT، لكن المرجعية الشرعية تظل الحصن الأخير.