قلم على ورق

محمد قناوي يكتب: السينما المصرية في عهد د. هنو

محمد قناوي
محمد قناوي


منذ تولى د. أحمد فؤاد هنو وزارة الثقافة، عادت السينما المصرية إلى صدارة الخطاب الرسمى بوصفها صناعة استراتيجية وأحد أعمدة «القوة الناعمة»، ففى يوليو الماضى أُعلن عن الخطة الوطنية الشاملة لإحياء صناعة السينما، ثم أُعيد الإعلان عنها بعد نحو خمسة أشهر خلال احتفالات «عيد الثقافة»، مع إضافة عودة المهرجان القومى للسينما فى يوبيله الفضى، غير أن المسافة بين الطموح المعلن والواقع التنفيذى فتحت بابًا مشروعًا للتساؤل: هل نحن أمام تحول حقيقى فى إدارة القطاع السينمائى، أم إعادة صياغة حديثة لخطاب قديم؟

تقوم رؤية الوزير على ثلاث ركائز: تطوير الأصول السينمائية المملوكة للدولة، إنشاء كيان وطنى للإنتاج، وترميم التراث السينمائى وتحويله إلى صيغ رقمية حديثة، مبدئيًا، تمثل هذه الرؤية نقلة مقارنة بسنوات كانت تُدار فيها السينما كنشاط ثقافى موسمى لا كصناعة ذات دورة اقتصادية، كما أن الربط بين السينما والاقتصاد الإبداعى يعكس فهمًا متقدمًا لدور الثقافة فى التنمية، إلا أن المشكلة الجوهرية أن الخطة قُدّمت مرتين تقريبًا بالصيغة نفسها، من دون أن يواكب الإعلان الأول تنفيذ ملموس، ما أضعف مصداقيتها وحوّلها فى نظر كثيرين إلى مشروع مؤجَّل أكثر منها سياسة جارية.

التركيز الأكبر انصبّ على تحديث الاستوديوهات التاريخية ودور العرض القديمة، إلى جانب إدخال تقنيات المونتاج والأرشفة الرقمية، وهى خطوات إيجابية طال انتظارها، وتكسر حالة الجمود التى أصابت القطاع العام لعقود، لكن المقاربة تظل «هندسية» أكثر منها «صناعية». فالبنية التحتية مهما تطورت، لا تصنع سينما وحدها، وما ينقص هو سياسة واضحة للإنتاج: من يموّل؟ أى نوع من الأفلام يُشجَّع؟ ما موقع السينما المستقلة؟ وكيف يُدمج القطاع الخاص دون اختزال المشروع فى إدارة أصول عقارية ثقافية؟

الإعلان عن تأسيس شركة وطنية للإنتاج الفنى خطوة مهمة نظريًا، لكنها ما زالت غامضة الوظيفة: هل ستنتج فعليًا أم تكتفى بتقديم الخدمات؟ وهل ستنافس القطاع الخاص أم تكمله؟ 

فالسينما تواجه أزمات أعمق: ارتفاع تكاليف الإنتاج، ضعف التدريب، وتراجع دعم الدولة للأفلام الجادة، صحيح أن عودة المهرجان القومى ودعم مهرجان القاهرة وترميم الكلاسيكيات تعكس اهتمامًا ثقافيًا معتبرًا، لكنها تعزز صورة السينما كتراث يُحتفى به أكثر منها صناعة تُدار.

يمكن القول إن سياسات «هنو» نقلت السينما من الإهمال إلى «إدارة التحديث»: مبانٍ تُرمم، تراث يُرقمن، وخطاب طموح عن الاقتصاد الإبداعى، غير أن سياسة صناعية متكاملة لم تتشكل بعد، ما تحقق مهم، لكنه يظل فى حدود تهيئة المسرح، لا صناعة العرض نفسه، وبين إعلانين متشابهين لخطة واحدة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول السينما إلى مشروع دولة مستدام، أم تظل وعدًا مؤجل التنفيذ؟.