كلمة والسلام

الإبراهيمية خدعة الصهيونية!

سعيد الخولى
سعيد الخولى


فى أغسطس 2020 كان الإعلان عن اتفاق تطبيع العلاقات بين كلٍّ من «الإمارات العربية المتحدة» و«مملكة البحرين» مع إسرائيل، برعاية أمريكية، والذى جرى توقيعه فى البيت الأبيض تحت رعاية الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى ولايته الأولى، كان هذا التوقيع إيذانا بانطلاق مارد من قمقم أو عصا من يظن نفسه ساحر العصر والأوان دونالد ترامب؛ ذلك المارد الذى أطلقوه مع الاتفاق كان اسمه «اتفاق أبراهام»، ومنه كان انطلاق لعبة جديدة تذهل الشرق الأوسط والعالم اسمها «الدين الإبراهيمى» أو «الإبراهيمية»!

ويبدو أن من ينتمون للكيان الصهيونى قد اعتقدوا أنهم ورثة موسى عليه السلام وأنهم ورثوا عنه ـ فقط ـ العصا السحرية التى لقفت كل ما كان يأتيه سحرة فرعون، ومن هنا ظنوا إطلاق هذا المصطلح كفيلا بلقف كل ما يطلقه الآخرون من بحث عن حرية أو استقلال عنهم فى أرض فلسطين، أو من يريدون أن يأمنوا غدرهم وطمعهم فى المنطقة العربية نوابا عن مستعمرى العالم وحراسا على خزائن الأرض هنا فى الشرق الأوسط والعالم العربى وبالطبع الإسلامى.

ظنوا كل ذلك وعملوا جهدهم على تحقيقه بالترغيب مرة وبالترهيب مرارا وبالسياسة تكرارا وبالوحشية معظم تاريخهم، وصولا للتحكم فى الاقتصاد والإعلام تنفيذا لبروتوكولاتهم منذ قرنين وربع القرن.

وجاء بلفور صاحب الوعد المشئوم ليزرعهم مكان الإمبراطورية البريطانية وقت أن بدأت فى لملمة شتات عنوانها وبقاياها إثر أفول شمسها التى كانت قد بدأت فى الغروب، كى تغادر ساحة الشرق الأوسط وتنيب عنها مصاصا جديدا للدماء وسارقا جديدا للمقدرات وناهبا نهما شرسا لا يشبع ولا يقنع للأراضى والأعراض والأموال.

إن مصطلح الإبراهيمية الجديدة المنسوب إلى الخليل إبراهيم ـ عليه السلام ـ هو مصطلح وافد من الغرب، وليس كل ما يرد من الغرب يسر القلب كما يقول المثل الشهير! وهو ليس عصرى النشأة بل جرى إطلاقُه فى القرن التاسع عشر؛ حيث بدأ منذ 1811 الحديث عن «الميثاق الإبراهيمى» الذى يجمع بين المؤمنين فى الغرب، وذلك قبل أن يتحوّل اسمُ إبراهيم إلى اصطلاح بحثىّ لدى المؤرّخين فى الخمسينيات من القرن العشرين، رسّخه «لويس ماسينيون» فى مقالة نشرها عام 1949 تحت عنوان: «الصلوات الثلاث لإبراهيم، أبِ كلِّ المؤمنين».

وتقفز بنا الأحداث إلى سنوات قليلة مضت حيث بدأ فى السياسة الأمريكية الخارجية ما يسمى بالدبلوماسية الروحية التى بدأت فى الإدارة الأمريكية رسميا عام 2013 على يد هيلارى كلينتون التى أنشأت فى وزارة الخارجية الأمريكية إدارة خاصة بفريق خاص يضم 100عضو نصفهم رجال دين من الديانات الثلاث يعملون جنبا إلى جنب مع الدبلوماسيين فى الوزارة، ولم تمت الدبلوماسية الروحية بذهاب أوباما ووزيرة خارجيته التى تبنتها، بل استمرت فى إدارة ترامب والذى قال بومبيو وزير خارجيته فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة يوم 19 يناير 2019 «إننا جميعا أبناء إبراهيم».

ومضت قاطرة الإبراهيمية الجديدة لتصل إلى محطتها الأهم بالإمارات العربية المتحدة من خلال المؤتمر العالمى للأخوة الإنسانية الذى عقد هناك فى فبراير 2019. ومن خلال المؤتمر والوثيقة كان مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية».

وقد يبدو الحديث عن الإبراهيمية الجديدة متأخرا عن سياق وسرعة ماتشهده المنطقة منذ أحداث 7أكتوبر2023 وما جرى لغزة وأهلها،لكن الأحداث ماتزال تضع ذلك المصطلح الخادع فى بؤرتها مع مرور عام على عودة ترامب لقيادة البيت الأبيض وما جرى فى سوريا وما يتم الترويج له من مباحثات إسرائيلية سورية بدعم أمريكى بحثا عن اتفاق سلام بين البلدين تحت ضغط المستجدات الخاصة بسوريا وتوغل إسرائيل فى أراض سورية جديدة.

ومن خلال التبشير لهذا الاتفاق يجرى الترويج لانضمام أطراف أخرى لاتفاق «أبراهام»، وبالطبع فالمقصود بأطراف جديدة ـ حسب تعبير ترامب ـ هو الطرف السورى.

يضاف إلى ذلك تكرار استخدام مصطلح إسرائيل الكبرى على لسان نتنياهو ورفاق أحلامه بين الحين والحين، وهو ما يضعنا أمام خطورة هذه الأحلام الصهيوأمريكية للترويج لهذه الإبراهيمية المسيسة الخادمة فقط للمشروع الصهيونى الكبير؛ فلننتبه جميعا.