تحوّلت خطابات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ومواقفه إلى مادة مثالية للتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعى حيث تُعاد صياغتها فى مقاطع فيديو قصيرة (ريلز) مليئة بالإهانات الموجهة لخصومه والسخرية وكسر الأعراف أو القرارات المفاجئة الصادمة للجميع، حتى غدا الأسلوب سياسة قائمة بذاتها تشير بأن الخطاب السياسى لم يعد يُقاس بما يحمله من أفكار أو برامج، بل بقدرته على إثارة الانتباه والانتشار. فالجملة الصادمة باتت أثقل وزنًا من الخطاب الكامل، واللقطة المقتطعة قادرة على صناعة صورة ذهنية قد تطغى على سنوات من السياسات.
يفتتن البعض بتتبع هذه الفيديوهات القصيرة التى تحمل قرارات ومواقف صادمة لترامب فما نراه هنا ليس مجرد زلات لسان أو خروجًا عابرًا عن البروتوكول، بل نمط معروف فى الأدبيات السياسية يُشار إليه أحيانًا بوصفه أداء شعبوى Populist Performance حيث ينظر البعض إلى السياسيين الشعبويين على أنهم أكثر «صدقًا» أو «عفوية» من خلال إصدارهم خطاب عاطفى يبسط القضايا فى ثنائية «نحن مقابل هم» شديدة الإقناع حيث تتحول الشعبوية إلى أداة لتقويض الحقيقة يتم من خلالها وصم أى رأى أو معرفة أو دليل يتعارض مع مصالح هؤلاء السياسيين بأنه كاذب وغير نزيه، وفيها يتحول السياسى إلى مؤدٍ على مسرح عام، ويصبح الخطاب أدائًا استعراضيًا موجّهًا للكاميرا أكثر منه رسالة سياسية متماسكة.
ربما لم تعهد أمريكا من قبل هذا الشكل من الخطاب السياسى الذى يبتعد عن الطابع المؤسسي، لكن فى منطقتنا العربى يعطينا «ترامب» شعورًا غريبًا بالألفة كأنه زعيم عربى ضل طريقه إلى البيت الأبيض حتى نكاد نرى تشابهات واضحة بين خطابات ترامب وخطابات زعماء مثل القذافى الذى اشتهر بالقفز بين الأفكار وتحويل خطاباته إلى عروض مسرحية.
هذا التشابه ليس فى الأيدلوجية أو السياقات التاريخية والجغرافية بقدر ارتباطه بما يمكن وصفه بـ سياسات الاستعراض، حيث لا تُدار السلطة من خلف المؤسسات بل من أمام الكاميرات، ويغدو خطاب الرئيس نفسه عرضًا دائمًا يهدف إلى السيطرة على انتباه الجمهور.
الأخطر أن اللغة غير المنضبطة للرئيس الأمريكى لم تعد مقتصرة عليه إنما انعكست على مساعديه الذين أصابتهم «العدوى»، فنجد المتحدثة باسم البيت الأبيض ترد على صحفى يسألها عمن اختار مكان اللقاء بين الزعيمين الأمريكى والروسى فترد ببساطة (أمك من فعلت هذا)!
ومثلما لا يرى «ترامب» ومساعدوه مشكلة فى الخروج عن تقاليد الخطاب السياسى تتحول «اللغة الترامبية» الغاضبة من مجرد كلمات صادمة إلى ثقافة إدارة، ثم إلى سياسة تُطبق على أرض الواقع.. بداية من إهانة الرئيس الأوكرانى فى مؤتمر رسمي، دون احترام للقواعد الدبلوماسية، مرورًا باختطاف الرئيس الفنزويلى دون اكتراث للقانون الدولي.
وهكذا لا تعود التصريحات الصادمة هنا مجرد وسيلة خطابية، بل تتحول إلى أداة حكم، حيث تُستخدم الإهانات والقرارات الفجّة والتصرفات المفاجئة لإرباك الخصوم، وتحييد المؤسسات، وفرض واقع سياسى جديد قبل أن تتشكل أى مقاومة جادة لها فيما يصبح الجميع غير قادر على توقع ما الذى يمكن أن يحدث فى المستقبل فلا يوجد نمط ثابت يمكن القياس عليه أو عمل مؤسسى يمكن التنبؤ به.
لا يمكن اختزال ما يحدث فى شخص «دونالد ترامب» وحده، إنما هو انعكاس صارخ لعالم لم يعد يحترم المؤسسات الدولية أو القوانين، حتى باتت القاعدة الوحيدة الحاكمة هى منطق القوة. وفى هذا السياق، لا يكمن الخطأ الحقيقى فى تصريحات الرئيس الأمريكى ذاتها، بل فى البيئة الإعلامية التى تتغذى على هذه الخطابات عالميًا.
فمع الوقت، يصبح التطبيع مع الخطاب الصادم أمرًا اعتياديًا، وأسلوبًا جديدًا فى السياسة، يكتشف أن الطريق الأسرع إلى انتباه الجمهور لا يمر عبر الأفكار المنطقية، بل من خلال إهانة الخصوم والتصريحات الصادمة للجميع، وهكذا لا يعود الخطاب المنفلت عيبًا، بل ميزة تنافسية فى سوق السياسة تعطى مؤشرا بأن العالم على موعد مع ظهور المزيد من «ترامب» حول العالم!

إعلان القاهرة
الدعم النقدى.. الأهمية ومتطلبات النجاح
كلام فى الدعم








