يوميات الأخبار

أمريكا.. الحلم ذو الوجهين!

هشام مبارك
هشام مبارك


هى شابةٌ بوجه لامع، وعجوز مثقلة بتاريخ لا يُحب أن يُروى كاملًا تراودك عن نفسك قائلة: هئت لك فإذا أجبتها نادت العزيز ليضعك فى سجنها، حتى وإن شهد لك ألف شاهد من أهلها.

زجاج وحديد

السبت:


من الشخصيات التى كنت أتمنى لو كانت على قيد الحياة مارك توين، أبو الأدب الأمريكى، لأجرى معه مقابلة صحفية باعتباره أعظم كاتب ساخر فى تاريخ الولايات المتحدة، بحسه الفكاهى ونقده الاجتماعى العميق، ولغته الواقعية والذى وصف أمريكا بشكل ساخر ونقدى مبرزاً تناقضاتها، خاصة فى كتابه العصر المذهب، الذى قال فيه إن المجتمع الأمريكى يمتلك ظاهراً لامعاً (مذهّباً) يخفى فساداً عميقاً، وسخر من أمريكا التى مُنحت حرية التعبير والتفكير مع القدرة على عدم تطبيقهما، مُركزًا على الازدواجية بين المُثل العليا والواقع وعبّر عن تناقضاتها وسذاجتها وأحلامها، خاصة فى أعماله عن نهر المسيسيبى وحياة الغرب الأمريكى.

بالفعل، لم يذهب مارك توين بعيدًا، فأنت تكتشف فى كل زيارة لأمريكا ذلك التناقض الرهيب فهى تبدو قريبةً حدّ اللمس، فإذا اقتربت منها اكتشفت أنها أبعد من حلم مؤجل.

شابةٌ بوجه لامع وإعلانات مبتسمة، وعجوز بعظام مثقلة بتاريخ لا يُحب أن يُروى كاملًا. تتزين وتراودك عن نفسك قائلة: هئت لك فإذا أجبتها نادت العزيز ليضعك فى غياهب سجنها، حتى وإن شهد لك ألف شاهد من أهلها.

هى الحلم حين تراها من بعيد والكابوس حين تعيشها من الداخل أرض الفرص المفتوحة والأقفال الخفية. بيضاء فى خطابها، سوداء فى جراحها التى لا تلتئم تُغنّى للحرية بصوتٍ عالٍ، وتهمس بالقيود فى التفاصيل الصغيرة أمريكا مدينة من زجاجٍ وحديد.. ترى كل شىء ولا تكشف نفسها تبيع لك الأمل بالتقسيط، وتستردّه بالفوائد. بلد يعلّمك كيف تطير، ثم يذكّرك دائمًا أن السقوط اختيارك وحدك.

منذ سنوات طويلة وأنا أسافر إلى الولايات المتحدة. وفى كل مرة أكتشف أن أمريكا متعددة المواهب. فهى تخدعك دون أن تكذب، وتغريك دون أن تعدك بشىء صريح، ثم تتركك فى منتصف الحلم تتلفت حولك باحثًا عن الصورة التى رأيتها فى الأفلام، فلا تجد سوى الواقع الذى هو دائمًا أقل وسامة مما وعدتك به الشاشة.

الجاز والحرية

الأحد:


رحلتى الأولى لأمريكا كانت فى 1994. كنت وقتها صحفيًا شابًا، أضع أمريكا فى جيب خيالى كما يضع الطفل قطعة حلوى، وأتصورها بلدًا لا ينام..لا يشيخ..لا يمل ولا يخذل. بلد موسيقى الجاز والحرية، والصحافة التى لا تخاف، والناس الذين يبتسمون بلا سبب. وفى كل عام كلما هبطت الطائرة، تبدأ الخدعة.

منذ اليوم الأول فى رحلتى الأولى، اكتشفت أن أمريكا التى قرأت عنها ليست هى أمريكا التى أمشى على أرصفتها تلك التى فى الكتب وعلى الشاشات البيضاء أكثر رومانسية ورحمة وإنسانية. أما هذه التى على أرض الواقع فهى عملية جدًا.. سريعة تجرى بسرعة، لا تنظر خلفها، ولا تنتظر أحدًا يتأخر عن الركب.

أحببتها رغم خيبة أملى فيها، حيث لا تبادلك نفس المشاعر بل وتتعمد تجاهلك كأنك غير موجود ولم تقطع تلك المسافة الكبيرة إليها، ففى أمريكا لا أحد يسألك من أنت ولا أحد يهتم بقصتك ولا أحد لديه وقت ليسمع شكواك أو حتى دعابتك. كل شيء محسوب بالدقيقة، وكل دقيقة لها ثمن، والثمن مدفوع مسبقًا.

عدت إلى القاهرة فى ذلك العام مؤكدًا لنفسى أن هذه ليست أمريكا التى فى عقلى، وأنى لن أسمح لها أن تخدعنى مرة أخرى. لكن أمريكا لا تكترث بك ولا تعبأ بقراراتك النهائية. وبعد الرحلة الأولى توالت الرحلات.. وفى كل مرة أجدنى أحجز تذكرة جديدة بنفس الحماس والخيال، وبنفس الاستعداد لصدمة أعرفها جيدًا، وأستمتع بها مثل القط الذى «يحب خنّاقه». وفى كل مرة أزورها، أجدها أقل صبرًا، أكثر توترًا، أكثر انشغالًا بنفسها. ومع ذلك، تظل قادرة على إغوائى. ربما لأنها لا تعدنى بالسعادة، بل بالتجربة. تجربة قاسية أحيانًا، لكنها صادقة.

أعود منها دائمًا بنفس الخيبة، وبنفس الدهشة، وبنفس القرار الذى لا يُنفذ: «لن أعود». ثم أعود!.

فى كل مرة أسافر، أكتشف أن أمريكا تغيرت وأننى أنا الذى لم أتغير ما زلت أبحث عن تلك البلاد التى طالما داعبت أحلامى، وهى ما زالت تصر على أن تكون نفسها، دولة فقط تعمل، ولا وقت لديها لتمنحنى صورتها التى طالما ألهبت خيالي.

أمريكا بلد لا تكرهك، لكنها أيضا لا تحبك. تتركك تعيش، بشرط ألا تزعجها. تمنحك فرصة، بشرط أن تثبت أنك تستحقها كل يوم من جديد. لا ماضيك يشفع لك، ولا أحلامك تهمها، ولا نواياك الحسنة تدخل فى حساباتها. ورغم ذلك لو سنحت لك الفرصة تعود إليها.. ربما لأنك وأنت فيها تشتاق إلى بلدك، وعندما تعود إلى بلدك تشتاق إليها بكل متناقضاتها، وكأنك محكوم بحنين مزدوج، لا يكتمل فى أى مكان. أمريكا تعلمك قيمة ما تركته، وبلدك تذكرك بما لم تجده هناك.

رجل العودة

الإثنين:


فى نهاية ٢٠٢٤ كنت شاهدًا عندما عاد ترامب للرئاسة من جديد، وها أنا أعود لواشنطن بعد عام كامل على عودة ترامب الذى يبدو وكأنه قرر أن يفضح الخدعة علنًا وبلا خجل. قرر الرجل أن يقول للعالم: هذه ليست بلادكم، ولا نريدكم هنا. هذا الخطاب لم يهدم صورة أمريكا فى الخارج فقط، بل أربك الداخل الأمريكى نفسه.

فأمريكا التى قامت نهضتها على أكتاف المهاجرين، قررت فجأة أن تنسى ذاكرتها.، ويكأنها أنكرت أمها بعد أن كبرت الأيرلنديون والإيطاليون، واللاتينيون والآسيويون، والعرب، كلهم كانوا يومًا «غرباء»، وكلهم صنعوا هذه البلاد، حجرًا فوق حجر، وحلمًا فوق حلم. فلماذا يريد ترامب تفريغ بلاده منهم.. ولماذا يريد هدم الصورة الجميلة لبلد تكمن عبقريتها فى هذا النسيج المختلف، المتناقض أحيانًا، لكنه حى نابض بالحياة؟!

نعم من حق أى مسؤول أن يحمى بلاده. لكن الحماية لا تعنى الهلع. والفرز لا يعنى الإغلاق. والتدقيق لا يعنى افتراض أن العالم كله يتآمر عليك، فحين أوقف ترامب برنامج الهجرة العشوائية، لم ينتج عن قراره حماية أمريكا، بل شكك فيها، وفى قدرتها على الاستيعاب وفى ثقتها بنفسها، وفى الفكرة التى قامت عليها أصلًا. فأمريكا القوية لا تخاف من المهاجر، أمريكا الضعيفة فقط هى التى تبنى الجدران، ثم تتساءل لماذا تشعر بالاختناق؟!.

جمالٌ مُفخَّخ

الخميس:


يُداعبنى الأصدقاء الأمريكيون دائما بأنى زرت مدن وولايات أمريكية أكثر منهم وهم أصحاب البلد.. فى الرحلة الحالية زرت مدينة سان فرانسيسكو لأول مرة فى حياتي.. وهى مدينة تُربك من يظن أن الجمال حالةٌ مستقرة هنا يطل المحيط بصفاء شاعري، وتتمدد التلال كلوحات زيتية، وتبدو الجسور وكأنها خلفية لصورة جميلة.

مدينة تقنعك بأن الحلم ما زال ممكنًا. لكنك ما إن تنزل إلى قلبها، إلى وسطها التجاري، حتى تصطدم بوجهٍ آخر لا يظهر فى كارت البوستال، مشردون فى حالة مزرية خيامٌ على الأرصفة، وجوه مُتعبة وأجساد تبحث عن ظلّ دولة غابت طويلا.

سان فرانسيسكو جميلة حدّ الفتنة، وقاسية حدّ القسوة. مدينة الثروة التكنولوجية ووادى السيلكون، وفى الوقت نفسه عاصمة التفاوت الاجتماعي هنا تُباع التطبيقات بمليارات الدولارات، وعلى بعد أمتار ينام بشر بلا سقف. هذا التناقض لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم سياسات، وارتفاع جنونى فى الإيجارات، ومدينة فتحت أبوابها للأفكار أكثر مما فتحتها للبشر.

ومع ذلك حاولت المدينة أن تفكر خارج الصندوق. فابتكرت حلًا بدا عبقريًا وبسيطًا بأن توظف أصحاب السوابق والمتعافين من الإدمان ممن لفظهم المجتمع فى أعمال تنظيف الشوارع وتنظيم إشارات المرور وكثير من مجالات الخدمة العامة، فتحوّل «المنبوذون» إلى جزء من الحل، لا المشكلة.

حيث انخفضت معدلات الجريمة، وتراجعت السرقات واستعاد كثيرون كرامتهم قبل رواتبهم. أثبتت المدينة أن الإصلاح أرخص من العقاب، والاحتواء أذكى من القمع.

لكن السياسة، كعادتها، لا تحب الحلول الهادئة جاء قرار إدارة ترامب بوقف تمويل هذه البرامج، وعدم دفع رواتب هؤلاء العاملين، كمن يسحب آخر مسمار من جدار متصدّع. القرار لا يهدد وظائف فقط، بل ينذر بعودة دائرة الجريمة واتساع رقعة التشرد وكأن المدينة تُدفع دفعًا إلى إعادة إنتاج جراحها القديمة. والنتيجة أن سان فرانسيسكو اليوم تقف بين صورتين، مدينة تعرف كيف تحلم، ودولة لا تعرف كيف تحمى هذا الحلم.

نهاية الرحلة

أمريكا تشبه الصحافة، جميلة فى الفكرة، مرهقة فى الواقع، مخيبة فى التفاصيل، لكنها مستحيلة التجاهل! ‎