يتناول الكاتب الصحفي الدكتور أسامة السعيد، في كتابه "على هامش الجحيم.. مأساة الحرب في السودان عن قرب"، جذور الصراع السوداني، محاولاً تفكيك أسباب الانقسامات والحروب التي عصفت ببلد عُرف بطيبة إنسانه وتماسك مجتمعه، ومحاولاً أيضاً الوصول إلى إجابة عن السؤال المحير: "من أين أتى كل هذا الدم الذي أغرق أرضهم؟ وكيف خيم دخان الحقد الأسود على سمائهم، وبات يهدد مستقبلهم؟!".
"في كل حرب، هناك حقيقة تُدفن تحت الرماد، وهناك هوامش هي الجحيم بعينه"؛ انطلاقاً من هذا المعنى كانت بداية الحكاية، ومن خلال قالب أقرب إلى السرد الروائي، بدأ "السعيد" رحلته ليضع القارئ أمام مشاهد الصراع كما عاشها الناس، لا كما صيغت في البيانات والتقارير.
ويقدّم سردًا إنسانيًا عميقًا، يفسّر كيف تحوّلت الاختلافات التاريخية والعرقية والسياسية إلى عنفٍ دموي بين أبناء الشعب الواحد، ليؤدي الكتاب دوراً مختلفاً وأكثر إلحاحاً: دور الشهادة؛ ليس بوصفه كتاباً إخبارياً عابراً، ولا مجرد رصد إنساني تقليدي، بل باعتباره محاولة واعية لفهم ما جرى ويجري في السودان، من داخل الجحيم ذاته، لا من شرفته البعيدة.

■ غلاف الكتاب
من صفحاته الأولى يضعنا كتاب "على هامش الجحيم" ـ الصادر عن مؤسسة أخبار اليوم ضمن سلسلة "كتاب اليوم" برئاسة تحرير الكاتب الصحفي ياسر عبد الحافظ ـ أمام حقيقة قاسية: أن ما يحدث في السودان ليس مجرد صراع عسكري بين أطراف متنازعة، بل مأساة إنسانية مكتملة الأركان، تتداخل فيها السياسة بالجغرافيا والتاريخ، والخارج بالداخل، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
◄ اقرأ أيضًا | أسامة السعيد: القمة العربية يجب أن تكون صوتا واحدا يرفض التهجير
تحت عنوان "رحلة إلى المجهول"، يبدأ د. أسامة السعيد أولى محطات الرحلة بمشهد درامي يحمل الكثير من المعاني والدلالات، ويجسد المأساة على أرض الواقع ويعكس حقيقة الأوضاع هناك، ويلقي الضوء الكاشف على عمق الجراح في الجسد السوداني؛ يقول: "كل شيء كان يلفه الظلام، المطار لا تكاد تتضح له أية معالم، الطائرة كأنها تهبط في الفراغ، أضواء صغيرة للغاية تبدو من بعيد لممر الهبوط. صمت عميق يخيم على الركاب بكابينة الطائرة، التي دارت حول المطار عدة مراتٍ، قبل أن يقرر قائدها فجأة الهبوط وكأنه يحاول أن يهرب من شيء يطارده، أو يغافل أحداً لا يريد أن يراه أو يتوقع خطوته التالية".
ينطلق بعدها المؤلف في سرد ما شاهده على الأرض هناك، ويقص علينا قصة منتجع "عروس" أو "منتجع الموساد" الذي أقامته إسرائيل لنقل ما لا يقل عن 7 آلاف من يهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل في سبعينيات القرن الماضي؛ تلك حكاية بحث عنها المؤلف وذهب إلى مكان حدوثها مدفوعاً بحسه الصحفي وشغفه في معرفة تفاصيل مكان كان مسرحاً لعملية استخباراتية ضخمة، و"أملاً في تخفيف توتر زيارة في أجواء الحرب والصراع"، فإذا به أمام حكاية تنبت من داخل حكاية على طريقة حكايات "ألف ليلة وليلة"، غير أن الحكايات السودانية دائماً خطيرة ومليئة بتفاصيل لا يمكن أن تصل فيها إلى حالة من اليقين.
في نهاية هذا الفصل يتقافز في رأس "السعيد" سؤالٌ جوهري ظل بلا إجابة حتى انتهاء الرحلة ـ وأعتقد أنه سيظل هكذا حتى أمد بعيد ـ السؤال هو: من أطلق الرصاصة الأولى؟ وكيف وصلت الأمور في السودان إلى ما هي عليه الآن؟ للإجابة عن السؤال كان لا بد أن يذهب بنا الكتاب للبحث عن البداية، وهذا ما حدث في الفصل الثاني: "ما قبل الرصاصة الأولى"، الذي يوضح فيه حقيقة أن الحرب الحالية في السودان أعقد وأكثر تشابكاً مما نعتقده بأنه صراع على السلطة بين جنرالين (البرهان وحميدتي)، أو بين الجيش السوداني وبين قوات الدعم السريع المدعومة من الخارج، بل يرتبط الأمر بترتيبات إقليمية وتوافقات دولية بالغة الأهمية والخطورة، وهي التي تتحكم في مسارات الصراع في السودان، التي تتصارع هناك لما يتمتع به السودان من أهمية اقتصادية وجيوستراتيجية وحدود تمتد مع 7 دول، فضلاً عن أنه بلد غني بالثروات الزراعية والمعدنية جعلته حلبة صراع مباشرة أو بالوكالة. يضاف إلى ما سبق، الحقيقة الأثقل التي تجسدت في حالة الانقسام العميقة التي تشمل كل شيء في السودان من التركيبة السكانية إلى المواقف السياسية، مما أنتج حالة أعمق من انعدام الثقة بين جميع الأطراف.
في "مأزق السلاح وأزمة السياسة"، ينتقل بنا المؤلف إلى بداية الحرب الراهنة وما يعيشه السودانيون منذ 15 أبريل 2023 عندما اندلعت الحرب في قلب الوطن؛ لم يأتِ العدو من الخارج، بل انطلق من داخل البيت، بين أبناء الوطن الواحد، ولم يعد أحد قادراً على التفرقة بين الصديق وبين العدو، فكان الخطر الذي واجهه السودانيون هو "أكبر ما واجهوه في تاريخهم".
ومن خلال لقاءاته مع العديد من أطراف الصراع في السودان، يقدم لنا المؤلف تفاصيل دقيقة لخريطة الحرب، ويشرح بدقة طبيعة الحرب في العديد من المدن، وكيف تعددت القوى المتصارعة هناك وطريقة تسليحها وتمويلها من الداخل والخارج وتأثير ذلك على المدنيين، وأيضاً يتطرق إلى التوقعات التي يمكن أن تصل إليها الحرب ومتى يمكن أن تتوقف، بعد أن احترق الأخضر واليابس، وتشرد السكان بين المخيمات أو النزوح إلى الدول المجاورة.
وهنا يبدأ فصل آخر من الحكايات عن الوجه الآخر للقتال، وتحت عنوان: "المعذبون في الأرض"، يرصد المؤلف كيف تحول السودان إلى ساحة لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بعد انهيار شبه كامل للبنية التحتية وشللٍ اقتصادي وتمزق اجتماعي عميق، وملايين من المدنيين الذين يعانون من نقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، ويتعرضون للقتل والتشريد والاعتداءات الوحشية وعمليات النهب والاغتصاب في مناطق الصراع.
قصص وحكايات عديدة مؤلمة يقدمها "السعيد" من خلال زياراته لمراكز الإيواء ولقاءاته مع بعض النازحات من نار الحرب؛ حتى الأطفال لم يسلموا من الانتهاكات التي ترتكبها قوات الدعم السريع. وسط قسوة الأوضاع واحتدام الصراع على المستوى العسكري أو القبلي والخريطة المعقدة للفاعلين في الداخل السوداني؛ سواء المباشرين أو غير المباشرين، فضلاً عن هشاشة مؤسسات الدولة السودانية، مما يجعل كل الاحتمالات والسيناريوهات المستقبلية بشأن مسار ومصير السودان قائمة دائمًا.
وتحت عنوان: "دولة عند مفترق طرق"، يستعرض "السعيد" خمسة سيناريوهات لإنهاء الحرب ووضع نهاية للجحيم على أرض السودان، وهي سيناريوهات تتداولها مراكز الفكر والبحث في المنطقة والعالم؛ وهي: الحسم العسكري، الحل السياسي، تقسيم البلاد، الدولة الفاشلة، والتدخل الخارجي، ويقدم تفصيلاً لكل القوى الفاعلة والظروف الدافعة لتحقيق أي من تلك السيناريوهات.
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







