إنها مصر

أطفال غزة.. «الحق فى الدفء»!

كرم جبر
كرم جبر


شتاء غزة.. حين يصبح المطر رصاصًا والبرد مقصلة، زائر ثقيل الظل يحمل سياطًا تنهش أجسادًا لم يتبق منها إلا الارتعاشات المؤلمة، وتزدحم الخيام بآلاف الحكايات المنكوبة، وتتحول من مأوى إلى عدو.. تتمزق الأغطية التى لا تستر وجعًا ولا تطرد صقيعًا.
المطر رصاص يخترق الخيام، ويحول مراقد الأطفال إلى برك من الوحل، ليجد الصغير نفسه غارقًا فى صقيع الأرض قبل أن يدركه نومه الهارب، وأطفال غزة لا يخافون من عواء الذئاب، بل من صراخ الرياح التى تتسلل عبر الشقوق وتجمد الدماء فى عروقهم الصغيرة، ويلفظ الرضع أنفاسهم الأخيرة بصمت، وقلوبهم الضعيفة لا تحتمل درجة الصفر، وتقارير المراسلين تبث مشهدًا تراجيديًا لأم تضم طفلها وتحاول أن تهبه دفئًا لا تملكه.. إنها معركة «الأمعاء الخاوية» و»الأجساد المرتعشة».
العار يطارد الإنسانية تحت كل قطرة مطر تسقط على طفل يرتجف فى العراء، فهل يدرك العالم أن فى غزة أرواحًا تموت ليس فقط بالقصف، بل لأن الشتاء قرر أن يكون قاسيًا على شعبٍ سُلب منه «الحق فى الدفء»؟.
■■■
يمثل الشتاء فى الأدب وعند الشعراء رمزًا ثنائيًا لـ «البعث والموت»، ينعكس صداه عند بدر شاكر السياب فى قصيدته «أنشودة المطر» حجر الزاوية فى الشعر العربى الحر الحديث.. صرخة وجودية تتساءل: «ومنذ أن كنا صغارًا، كانت السماء تغيم فى الشتاء ويهطل المطر».. ويتحول الشتاء الى عالم مليء بالصور مثل السحاب والغيوم، ويصبح المطر العنصر السحرى للوطن.
أما محمود درويش، فقد جعل من الشتاء حالة تأملية عميقة وفلسفة للغياب، فى قصيدته «فى ليل الشتاء»، «كنت أحب الشتاء، وأسمعه قطرة قطرة.. مطر، مطر كنداء يزف إلى العاشق.. أُهطلْ على جسدى.. لم يكن فى الشتاء بكاء يدل على آخر العمر.. كان البداية، كان الرجاء.. ماذا سأفعل، والعمر يسقط كالشِعر، ماذا سأفعل هذا الشتاء؟».
■■■
يمس الشتاء وجداننا بقصيدة دافئة من شاعر الرومانسية المبدع فاروق جويدة: «الوقت ليل والشتاء بلا قمر.. نشتاق فى سأم الشتاء شعاع دفء حولنا.. نشتاق قنديلًا يسامر ليلنا.. نشتاق من يحكى لنا ولا يمل حديثنا»..
شتاء يترك بصمته على الأرواح قبل الأجساد، ويفجر طاقات الإبداع والحيرة فى قلوب الشعراء والمبدعين، فمنهم من اتخذه ملاذًا للحنين، ومنهم من يلسعه صقيعه الذى لا يحتمل.
أما نزار قبانى فقد استخدم قدرته الفائقة على تطويع المشاعر الإنسانية لتصبح أداة لمواجهة قسوة الطبيعة «المقاومة العاطفية» ضد الصقيع، لا يبحث الشاعر عن الدفء فى الأماكن المغلقة «لا وسيلة للتدفئة سوى أن أحبك».
ويخرج البرد من إطاره الرومانسى الضيق لتصبح مقاومته ضرورة وجودية للبقاء، فالحبيبة تتحول من مجرد كائن بشرى إلى ملاذ آمن يحتمى به من برد الوحدة والاغتراب، ويجعل من العاطفة طاقة قادرة على إذابة جليد الواقع، وتحويل «الشتاء» من فصل زمنى إلى «حالة» من السكينة الروحية.