احتلت النظافة مكانة محورية في حياة المصريين القدماء، إذ لم تُنظر إليها كممارسة حياتية فحسب، بل كجزء لا يتجزأ من العقيدة الدينية والنظام الاجتماعي، فقد آمن المصري القديم بأن الطهارة الجسدية تعكس نقاء الروح، وتُقرب الإنسان من الآلهة، الأمر الذي انعكس بوضوح في تفاصيل حياته اليومية، من ملبسه إلى مسكنه وطقوسه الدينية.
تُعد مصر القديمة من أوائل الحضارات التي أولت اهتمامًا بالغًا بالنظافة الشخصية ونظافة الملابس، رغم غياب أدوات التنظيف الحديثة، فقد اعتمد المصريون القدماء على خامات طبيعية مبتكرة، حيث استخدموا خليطًا من زيت الخروع والملح الصخري فيما عُرف بـ"الغسول"، إلى جانب مستخلصات نباتية مثل الأشنة ونبتة الصابون، والتي أثبتت فعاليتها في تنظيف الأقمشة الكتانية وتبييضها.
اقرأ ايضاً :حين تكشف الصدفة عن ملوك التاريخ.. «رأس إخناتون» من تل العمارنة
وكانت عملية الغسيل شاقة وتتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، إذ كان العمال يتعاونون في ضرب الملابس وشطفها ثم عصرها باستخدام العصي الخشبية والحبال، ومع تطور الزمن، وتحديدًا في نحو عام 1200 قبل الميلاد، شهدت المغاسل تطورًا تقنيًا مهمًا بظهور الغلايات المقاومة للنيران، مما أتاح استخدام الماء الساخن وساهم في تسهيل عملية الغسيل وتحسين جودتها.
انقسمت أماكن الغسيل بين مغاسل رسمية خُصصت لخدمة المعابد والقصور الملكية، وأماكن مفتوحة لعامة الشعب الذين اعتادوا غسل ملابسهم على ضفاف نهر النيل والترع، مستفيدين من وفرة المياه، رغم ما كان يحيط بذلك من مخاطر طبيعية.
ويُجسد هذا النشاط اليومي نموذج أثري فريد مصنوع من الخشب الملون، عُثر عليه بمنطقة سقارة عام 1914، حيث يصور مشهدًا تفصيليًا لعمال المغسلة أثناء تأدية مهامهم. ويُعرض هذا النموذج حاليًا في القاعة 32 (الدور العلوي)، ليمنح الزائرين لمحة حية عن جانب مهم من الحياة اليومية في مصر القديمة.

بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية
نقلة نوعية للقطاع الصناعي.. صندوق جديد لتمويل الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي
منذ 2500 عام.. كيف وصلت توابيت مصرية إلى تركيا؟







