الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان: جوائز الرواية أزاحت فنوناً كثيرة من الطريق لمصلحتها!

الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان
الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان


حوار: حسن عبد الموجود


ترصد الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان الخوف بأنواعه فى مجموعتها «خوف بارد»، الخوف من الغرباء، والفقد، والتخلى تتنوع قصص المجموعة بين القصر والطول، وفى معظمها ترتد إلى الماضى، لأنه يفسر لنا لماذا يتصرف الناس الآن على هذا النحو، وكيف كانت مدينة ما وماذا صارت؟ وهل يمكن أن يُورَّث الخوف من الأجداد والجدات؟!

تأخرت عائشة طويلاً فى إصدار مجموعتها الأولى، رغم أن كل كتبها السابقة تقف على تخوم الأدب، مثل «أبجديات»، و«شتاء الحكايات»، و«فى مديح الذاكرة»، و«هوامش فى المدن والسفر والرحيل» عملت عائشة مديرة لإدارة البرامج السياسية فى تلفزيون دبى، ورأست القسم الثقافى بجريدة البيان، وتكتب عموداً فيها بعنوان "أبجديات" منذ عام 1996، وهى نائبة رئيس مجلس إدارة اتحاد كتًّاب الإمارات، ونائبة رئيس جمعية الإمارات لحقوق الإنسان، وعضو جمعية الصحفيين الإماراتيين، وعضو مؤسس لجمعية الصحفيين الإماراتية ومؤسِّسة لمجموعة من أندية الكتب فى الإمارات مثل «صالون الكتاب»، و«صالون المنتدى». فى هذا الحوار تجيب على أسئلة تتعلق بمجموعتها «خوف بارد»، وكيف تنظر لكتابة القصة وهل سحبت الرواية البساط منها، وكذلك ما جيلها العربى.



لماذا تأخرت مجموعتك القصصية الأولى كل هذا الوقت؟

تعاملت مع الكتابة كأمر واقع، فأنا أكتب المقالات بشكل يومى، مع ما تشكِّله وتفرضه هذه الكتابة من حضور يومى فى المشهد الثقافى الإماراتى والعربى إضافة لما تركته فى شخصيتى من خبرات وتراكم معرفى، كل هذا لم يثر فى داخلى ذلك الشعور بالحاجة لشكل تعبير آخر، إضافة لما تمثله الصحافة عموماً من ضغوطات ومتطلبات هائلة تلتهم الوقت والطاقة والجهد ولا تترك لك مجالاً للتفكير فى غيرها، الصحافة لا تقبل الشراكة فعلاً. هذه المسألة لو لم ينتبه لها الكاتب منذ البداية فإنها ستلتهم عمره.

أظننى وقعت فى هذ الفخ لكننى انتبهت وإن حدث ذلك متأخراً بعض الشىء، لكن أن تنتبه متأخراً خير من أن لا تنتبه أبداً.. والمهم أن تكون المجموعة لائقة بهذا الوقت الطويل الذى استغرقته كى تخرج إلى النور.

أنت كاتبة مقال فى الأساس لكنك تكتبينه بشكل أدبى فهل تعتبرين أنك كنت فى تمرين دائم على كتابة الأدب قبل أن تتجهى إليه؟

لا الأمر لم يكن تمريناً على الكتابة، إن كنت قد مارستُ تمريناً من أى نوع فقد كان ذلك فى مجال القراءة، والامتلاء من مختلف ينابيع التجارب والمعرفة، أما المقال الصحفى الذى كان غالباً ما يأتى بنَفَس أدبى وأحياناً لا يخلو من ملمح سردى فقد بقى فى مكان يليق به، مقالاً من فئة العمود الصحفى وهو بالمناسبة أحد أصعب فنون العمل الصحفى.

كذلك كان التدرب على التعامل مع جدية الكتابة كطريق للحياة، وكوسيلة لطرح وحمل أسئلة الوجود والحياة، كنت أكتب وأنا أكتشف بالفعل أن المقال وسيلة نافذة وقوية وسريعة وشديدة الأثر وأقرب لطلقة رصاص.

اتجهتِ للقصة مع أن الرواية تحظى بكل الأضواء.. فلماذا؟

غالباً ما يُطرح السؤال عن القصة بطريقة تعطى انطباعاً بأن هناك تقليلاً من شأن القصة أو كأن القصة فن أدبى لا ضرورة له، وأن البطولة فى المشهد السردى للرواية فقط، والحقيقة فإن الرواية (بجلالة نفوذها) خرجت من معطف القصة القصيرة، وكثير من الروائيين العظام بدأوا بكتابتها ثم انتقلوا للرواية ومنهم مَن بقى وفياً لها رغم كتابته للرواية فجمع بين الفنين معاً أمثال تشيخوف وماركيز ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وصنع الله إبراهيم وغيرهم.

بالنسبة لى فإن الأضواء لن تكون العامل الحاسم فى قرار كتابة القصة أو الرواية مستقبلاً، ولكن مدى حاجتى لأداة تعبير أخرى وإضافية للمقال والعمود الصحفى فلكل أداة حدودها وجمهورها ونطاقات تأثيرها، والكاتب يعرف قوة كل أداة وكذلك يعرف متى يلجأ إليها وكيف يوظِّفها.

ثم إن ذهابى للقصة لا يعنى أننى لن أكتب الرواية، أنا أكتب القصة كاختيار واعٍ فى هذه المرحلة، وهى مختبر إبداعى كبير، كما أنها فن جميل وصعب فى نفس الوقت وقادر على الوصول لقطاعات كثيرة من المتلقين. وسيحظى قريباً بما يستحقه من أضواء وجوائز أنا متأكدة.

هل ترين أن القصة تتعرض للظلم ولماذا ليس هناك إقبال عليها من القراء العرب؟

ليس هناك ظلم، ولكن الحالة الاحتفائية التى خلقتها الجوائز الكثيرة والمهمة للرواية أزاحت فنوناً كثيرة من الطريق لصالح هذا الفن، وأظن أن جزءاً كبيراً من الموضوع تجارى وتنافسى بين الجهات الراصدة للجوائز، كما أن له علاقة بنشاط الدول والمؤسسات الحاضنة وتفوُّق آليات الترويج ودور المنصات ومواقع السوشال ميديا، وهو صدى لما تلقاه الرواية فى الغرب من احتفاء مماثل، وتحول الكثير من الأعمال الروائية لأفلام ناجحة وهذا لا يحدث مع القصة. مرة أخرى.. ليس هناك ظلم ولكننا فى زمن الرواية بتعبير الدكتور جابر عصفور.

ما الفارق بين كتابة القصة والرواية.. وهل بدأتِ كتابة رواية؟

بدأتُ فى خوض تجربة الكتابة الروائية بالفعل، أما الفارق بين الكتابتين فلا يتعلق بالحجم فقط، بل هى فروق فى طبيعة كل فنٍ والمنطق السردى لكل منهما وطريقة العمل. فالقصة القصيرة تُبنى غالبًا على فكرة واحدة، أو لحظة، أو حدث صغير يؤشِّر إلى معنى كبير، كما تعتمد القصة على الاقتصاد اللغوى، الجملة المشحونة، والحدث القادح الأشبه بالومضة، وهذا ما يجعلها أكثر شبها بكتابة العمود الصحفى.

بينما تُبنى الرواية على عالم كامل، وشخصيات متعددة، وخطوط زمنية متشابكة، وتطوُّر نفسى طويل وزمن قد يمتد لقرن كامل، وكذلك فإن الرواية تسمح بالامتداد، والشرح، وبناء الخلفيات، وتفاصيل الحياة، كما رأينا فى «مائة عام من العزلة» و»ملحمة الحرافيش» على سبيل المثال. 

لنتجه إلى مجموعتك «خوف بارد» وهو عنوان مناسب جداً لها لأن معظم القصص فيها تيمة الخوف، خوف الإنسان من الغرباء والمجهول والفقد.. ما تعليقك؟

بالفعل قصص المجموعة تتخذ من ثيمة الخوف منطلقاً وقاعدة بنيت عليها كل الخيوط وكذلك معاناة أبطالها، حتى المكان كما فى قصة «ورود ليلى» كان له نصيب من تداعيات الخوف وليس البشر فقط. هذا الخوف ليس الخوف اللحظى أو الآنى المتولد عن ردة فعل طارئة بل هو الخوف الإنسانى الوجودى المتمدد والمتأصِّل فى نفوسنا والمتراكم بفعل التربية والأفكار والمواجهات والخيبات.

لماذا تعتبرين أن القصة التى تحمل المجموعة عنوانها هى المفضلة لك؟

«خوف بارد» هى القصة الأحب لقلبى كقارئة وليس ككاتبة، وقد اخترته ليكون عنواناً للمجموعة، لاننى وجدته مختلفاً، مثيراً ودالاً على فكرة المجموعة وجامعاً لقصصها الـ14 فى فكرة واحدة، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من عملى ككاتبة مقال يومى يحفزنى على اختراع عناوين جاذبة ومكثفة ودالَّة.

ما عدا مرة أو مرتين لم تذكرى أسماء المدن.. لماذا ملتِ إلى تجهيل المكان؟

المشاعر الإنسانية لا تخص مدينة أو إنساناً بعينه، ليس هناك شعور مرتبط أو شائع أو متداول فى الصين أو الهند أو الإمارات فقط، المشاعر إنسانية، والخوف تحديداً هو أكثر المشاعر المسيطرة على الإنسان والمحرِّكة له كذلك عبر تاريخه الإنسانى، لذلك فهذه المجموعة تصلح للقراءة والتداول فى كل مكان، إنها قصص إنسانية بالدرجة الأولى، وهى تشبه التحدى الذى خلقه «ساراماجو» حيث لا أسماء على امتداد رواية عبقرية كـ«العمى» لأن عمى البصيرة وتردى الإنسانية، كما تناوله فى الرواية، قد يصيب البشر جميعهم فى كل مكان، لذلك لا حاجة لأسماء، الأسماء تمنح هوية وخصوصية للحكاية والعمل السردى. 

فى قصة «ورود ليلى» تمنحين المكان بُعداً أسطورياً فالبيوت متلاصقة وترتبط معاً بنظام الفُرج التى تُصنَع فى جدران الأسوار المشتركة، ولذلك صار الحى أشبه ببيوت النمل، وفشل مهندسو التخطيط والمساحة فى عبور تلك الأزقة واكتشاف سرها.. هل كان فى ذهنك إظهار التأثير الكبير للمكان على الشخصيات؟

كنت أهدف لتعزيز فكرة أو أثر الخوف فى المكان كجغرافيا وكبشر، فبسبب الخوف من الآخر، لجأ أهل المكان للعزلة واختراع هذا الأسلوب من البناء لحماية أنفسهم، لكن الذى حدث أكد أنه «من مأمنه يُؤتى الحذر» أو كما يقول المصريون «اللى يخاف من العفريت يطلع له» أو على حد تعبير نجيب محفوظ «الخوف لا يمنع عنك الموت لكنه يمنعك من الحياة»!

بعض القصص فيها رائحة أعمال الجريمة مثل قصة «ورود ليلى» حين تختفى الفتاة الصغيرة وتبدأ المدينة بالكامل البحث عنها ونعيش أجواء التوتر والتشويق حتى نهاية العمل.. ما تعليقك؟

هى كذلك، هناك جريمة كما ذكرت، لكن القصة ليست قصة جريمة، وإنما أن أجعل جريمة اختطاف وقتل الطفلة ليلى صرخة فى وجه العزلة وغلق الأبواب ورفض التغيير خوفا منه، فى حى أحكم على نفسه الشرنقة!

لماذا اعتمدتِ فى بعض القصص على القفلة الخاطفة كما جرى فى قصة «وجوه»؟

يلجأ كثير من كتَّاب القصة إلى القفلة الخاطفة أو النهاية «الوامضة» لأنها أولاً تعوِّض غياب «النهاية الطويلة»، وثانياً لأن القصة فى جوهرها تُبنى على الدهشة وثالثاً لأن طبيعة هذا الفن تحتاج إلى ضربة أخيرة تُعيد تشكيل المعنى كله فى لحظة واحدة، ولو أننا تتبَّعنا تفاصيل قصة «وجوه» لوجدنا أن تلك النهاية قلبت المعنى كله رأساً على عقب، وهذا يؤكد أن كثيراً من الأشياء ليست كما تبدو فى الظاهر.

هل تتفقين معى أن بعض القصص جاءت أشبه ببورتريهات لشخصيات غريبة مثل حارس المقابر الأفغانى فى «حاجى ميت»؟

نعم أتفق فيما يتعلق بالبورتريه، إلا أننى لم ألجأ إليه سوى فى قصة «حاجى ميت»، مع يقينى أن القصة لا تملك رفاهية التفاصيل الروائية. رسم بورتريه لشخص يكفى ليعطى القارئ ماضيًا مُضمَرًا، وطباعًا واضحة، ونفسيَّة يمكن قراءتها، وإيحاءً بالحياة كلها من خلال مشهد واحد، وهذا ما ظهر تماما فى قصة «حاجى ميت»، بهذا يصبح «وصف شخص» بديلاً ممتازاً عن السرد المطوَّل أحياناً، وبالمناسبة يلجأ كتاب العمود الصحفى للبورتريه كذلك.

لماذا هناك استدعاءات مستمرة للماضى فى القصص؟ هل الماضى هو ما يفسر تصرفات الأبطال فى الحياة الآن؟

نحن شعوب مرتهنة نفسياً بالماضى لأسباب كثيرة ومعروفة، ثم إن الماضى مساحة مريحة للاتكاء عليها والتعبير بحرية عن مواقفنا مستعينين بأحداثها وشخوصها، إضافة إلى أن الحاضر هو امتداد أو استكمال لما كان، دون أن ننسى أن هذا الماضى نسبى، فما أتحدث عنه لم يمر عليه أكثر من خمسين عاماً فقط. المفارقة تكمن فى أنها تبدو وكأنها مائة وخمسين عاماً بسبب حجم الناتج التنموى والتطور.

ما ملامح شخصية الجدة التى كتبتِها؟!

المرأة ذات السلطة التى تعتبر نفسها حارسة القيم والتقاليد، وهو نوع من النساء أخطر سلطوياً وقمعياً من الرجال المتسلطين. 

ما جيلك عربياً؟ ومن كتَّاب القصة الذين تحبين القراءة لهم؟

نحن الجيل الذى عاش طفولته نهايات الستينيات والسبعينيات وانفتح على الحياة والثقافة والأدب فى الثمانينيات، جيل الكفاف والعمل والوعى والتمرد وبدايات التعليم الجامعى وخروج المرأة للعمل.

جيل تعب لكنه تأسَّس بشكل قوى ونبيل. أقرأ لكتَّاب القصة الروس جوجول وتشيخوف، أقرأ للأمريكى إدجار الآن بو، أقرأ قصصاً قصيرة لماركيز ونجيب محفوظ، أقرأ لستيفان زفايج، أقرأ لمحمد المخزنجى وصنع الله إبراهيم وزكريا تامر وغيرهم.