في لحظة نادرة يتوقف فيها الزمن، تخرج الحقيقة من تحت طبقات الطمي لتعيد كتابة فصل من فصول المجد المصري، ليست كل الاكتشافات وليدة الصدفة، فبعضها ينتظر قرونًا ليُعلن عن نفسه في التوقيت الذي يستحقه، ومن أرشيف الحفريات، تظل بعض الصور شواهد لا تُقدّر بثمن على ميلاد حدث غيّر نظرتنا إلى التاريخ.

في السادس عشر من فبراير عام 1940، شهدت منطقة تانيس بشرق الدلتا حدثًا استثنائيًا في تاريخ علم الآثار، حين نجحت بعثة عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه في الكشف عن كنوز الملك بسوسنس الأول، أحد أبرز ملوك الأسرة الحادية والعشرين، وتوثّق صورة نادرة من أرشيف البعثة لحظة فارقة، خرجت فيها الكنوز الملكية إلى النور بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام من الصمت.

حامل «مائدة القرابين» السائلة وإناء «حس» من مقبرة «بسوسنس الأول»
تميّزت مقبرة بسوسنس الأول بكونها واحدة من أكمل وأغنى المقابر الملكية التي عُثر عليها في مصر، إذ ضمّت مقتنيات نفيسة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، في مقدمتها القناع الفضي الشهير، والذي يُعد تحفة فنية فريدة لا تقل روعة عن أقنعة ملوك الدولة الحديثة، كما كشفت اللقى الأثرية عن مستوى بالغ الدقة في صناعة الحُلي والأثاث الجنائزي، ما يعكس الثراء والقوة الرمزية لملوك الدلتا في تلك الحقبة.

وعلى عكس مقابر وادي الملوك التي تأثرت بالعوامل الطبيعية والسرقات، حافظت مقابر تانيس على محتوياتها بدرجة لافتة، بفضل طبيعة التربة الطينية، لتمنح الباحثين كنزًا معرفيًا متكاملًا عن طقوس الدفن الملكية في عصر الانتقال الثالث.

واليوم، يحتضن المتحف المصري بالتحرير هذه الكنوز ضمن المجموعة الكاملة المعروفة باسم «كنوز تانيس»، حيث تُعرض القطع في سيناريو متحفي يبرز قيمتها التاريخية والفنية، ويمنح الزائر فرصة نادرة للتأمل في عبقرية المصري القديم وقدرته على تطويع المعادن النفيسة لخدمة العقيدة والخلود.

تبقى لحظة الكشف في فبراير 1940 علامة مضيئة في ذاكرة الأرشيف الأثري، ودليلًا على أن أرض مصر لا تزال تخفي بين جنباتها أسرارًا تنتظر من يعيد إليها صوتها، لتظل الحضارة المصرية القديمة مصدر دهشة وإلهام للعالم أجمع.


«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







