إبر دقيقة تغير مستقبل الزراعة.. تقنية مبتكرة تقلل الأسمدة وتضاعف إنتاج المحاصيل

الأسمدة
الأسمدة


في خطوة غير تقليدية قد تعيد رسم ملامح الزراعة الحديثة، توصّل باحثون في جامعة سنغافورة الوطنية إلى تقنية مبتكرة تعتمد على إبر دقيقة قابلة للذوبان، تهدف إلى تحسين نمو النباتات وتقليل الاعتماد على الأسمدة التقليدية. 

ابتكار يجمع بين الطب والزراعة، ويَعِدُ بحلول أكثر كفاءة واستدامة لمواجهة تحديات الأمن الغذائي.

كشف فريق بحثي من جامعة سنغافورة الوطنية عن تطوير أداة زراعية جديدة وُصفت بـ«السحرية»، تعتمد على رقع من الإبر الدقيقة لتوصيل الأسمدة الحيوية مباشرة إلى أنسجة النبات، ما يساهم في زيادة الإنتاج الزراعي وخفض استهلاك الأسمدة بنسبة ملحوظة، وفقًا لما أورده موقع New Atlas.

وجاء هذا الابتكار في دراسة علمية نُشرت في دورية Advanced Functional Materials بعنوان: «توصيل الأسمدة الحيوية باستخدام الإبر الدقيقة يحسن نمو النبات من خلال هندسة الميكروبيوم».

الفكرة من الطب إلى الزراعة

استلهم البروفيسور آندي تاي، الباحث الرئيسي في معهد الابتكار والتكنولوجيا الصحية iHealthtech، وزملاؤه فكرة الابتكار من آليتين أساسيتين في جسم الإنسان: هجرة الميكروبات داخل الجسم، والحقن الطبية.

وأوضح «تاي» أن الفكرة تقوم على توصيل الميكروبات المفيدة مباشرة إلى أوراق أو سيقان النبات، بدلًا من إضافتها إلى التربة، ما يسمح لها بالانتقال إلى الجذور وأداء وظيفتها بكفاءة أعلى، مع تقليل تأثرها بظروف التربة غير الملائمة.

- كيف تعمل الإبر الدقيقة؟

ابتكر الباحثون رقعًا صغيرة (مساحة 1 سم²) مصنوعة من بولي فينيل كحول (PVA)، وهو بوليمر منخفض التكلفة وقابل للتحلل الحيوي.

وتحتوي هذه الرقع على صفوف من الإبر الدقيقة:

بطول 140 ميكرومتر للأوراق
وبطول 430 ميكرومتر للسيقان
تم دمج الميكروبات المفيدة - وهي بكتيريا محفزة لنمو النبات (PGPR) من أنواع Streptomyces وAgromyces-Bacillus - داخل رؤوس هذه الإبر.

وعند الضغط على الرقعة فوق النبات، تخترق الإبر الأنسجة دون إحداث ضرر، وتذوب خلال نحو 60 ثانية، تاركة الميكروبات داخل النبات لتبدأ عملها مباشرة.

- نتائج واعدة في البيوت الزجاجية

أظهرت التجارب التي أُجريت على الكرنب والخضراوات الصينية داخل البيوت الزجاجية تحسنًا واضحًا في:
طول النبات
مساحة سطح الأوراق
كتلة السيقان

والأهم أن هذا النمو تحقق باستخدام كمية أقل من الأسمدة الحيوية بنسبة تصل إلى 15%، بفضل دقة التوصيل وتقليل الهدر، مما يحد من الأضرار البيئية الناتجة عن الأسمدة التقليدية.

- طباعة ثلاثية الأبعاد وتخزين آمن

لزيادة سهولة الإنتاج، يمكن تصنيع هذه الرقع باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، كما أن تصميمها يسمح بتخزين الميكروبات بداخلها مع الحفاظ على فعاليتها لمدة تصل إلى 4 أسابيع، ما يجعلها عملية للاستخدام الزراعي واسع النطاق.

وعلى عكس الأسمدة التي تُضاف للتربة، تضمن هذه التقنية وصول المواد الحيوية مباشرة إلى النبات، دون فقد أو تلوث، وهو ما يجعلها مناسبة حتى للمحاصيل عالية القيمة.

- مستقبل الزراعة الذكية

أعرب «تاي» وفريقه عن تطلعهم إلى دمج تقنية الإبر الدقيقة مستقبلًا مع الروبوتات الزراعية والأنظمة الآلية، لتطبيقها في المزارع الكبيرة، إضافة إلى المزارع الرأسية والحضرية، كما يخطط الفريق لتوسيع نطاق الاختبارات لتشمل محاصيل أخرى مثل الفراولة، ودراسة كيفية انتقال الميكروبات بكفاءة أكبر من الأوراق إلى الجذور.

يمثل هذا الابتكار نقلة نوعية في عالم الزراعة المستدامة، حيث يفتح الباب أمام تقنيات دقيقة تقلل الهدر، وتحسن الإنتاج، وتجمع بين العلم الطبي والتقنيات الزراعية الحديثة، في خطوة قد تُحدث ثورة حقيقية في طريقة تغذية النباتات حول العالم.