رجل الكلم والفعل «الطيب»

عادل زيدان
عادل زيدان


عادل زيدان

تطيب الأنفاس، وتستكين الأرواح، حيث تطأ الأقدام أرض الأقصر، تلك المدينة التى لا تُشبه سواها، حيث يتجاور التاريخ مع الروح، وحيث يذوب الصخب فى نهر السكينة فيغلف المكان الفسيح.

فالأقصر ليست مجرد مدينة، بل هى معشوقة تُلهم الفكر وتطمئن القلب، كلما زارها المرء شعر أنه دخل عالمًا خاصًا يجاور الأبدية.

وإن كانت الأقصر كلها عالمًا فريدًا، فإن ساحة الإمام الطيب فى مدينة القرنة غربًا، تُشكل كونًا آخر، فضاءً يُبرهن أن للأرض أرواحًا، وأن بعض البقاع لا تنبت زرعًا فحسب، بل تنبت رجالًا استثنائيين.

ومن هذه الساحة خرج الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر الشريف، رمز الحكمة والاعتدال.

ثمانون عامًا مضت من عمر فضيلة الإمام الطيب، لا تختصرها كلمات ثناء ولا احتفالات عابرة، فاللغة العربية تضيق أحيانًا عن وصف رجال لا يقاسون بالمناصب، بل بما يتركونه من آثر خالد.

ويكفى أن يقال: الإمام أحمد الطيب، ليعرف الناس أن الحديث عن رجلٍ من الصعيد، ابن العلم والصلاح، وصاحب الأصل الطيب والنسب الشريف، الذى حمل فى قلبه نور العلم وفى روحه عبق الإنسانية.

ونحن جميعًا تلاميذ فى مدرسة الإمام الطيب، مدرسة ترى فى الدين خطابًا للإنسان، لا أداة صدام، وتعتبر العقل شريكا للنص، والاختلاف مساحة للتعايش لا للإقصاء، فقد علّمنا فضيلة الإمام كيف نُعمل الفكر دون انفلات، ونقبل الآخر دون ذوبان، وننفتح على الثقافات المختلفة دون أن نفقد هويتنا.

وفى زمن تاهت فيه البوصلة، ظل صوت الإمام الطيب ثابتًا هادئًا، لا ينجرف مع الصخب ولا يساير الغضب، بل ينحاز للحكمة والعدل والمساواة، فكم من مصالحات ثأرية تمت بفضل تدخله، وكم من دماء حُقنت حين اختار الجميع ساحة الطيب، وكم من حقوق عادت إلى أصحابها حين وضعت القضايا على مائدته.