◄ مزارعون: دودة الأنفاق أكلت نص المحصول والمبيدات المغشوشة أخطر من السوسة نفسها
◄ «كنا بنطلع 500 طن.. دلوقتي 200 بس» و «التوتا أبسلوتا» خلت الطماطم شكلها حلو وطعمها ضايع»
◄ نقيب الفلاحين: خلط التقاوي الممتازة بأخرى رديئة وبيع سوائل مجهولة كـ مبيدات يؤدي لضياع ميزانية الفلاح
خلف الثمرة الحمراء التي وُصفت يومًا بـ«المجنونة»، تختبئ آفة شرسة تُدعى «توتا أبسلوتا» أو دودة الأنفاق، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تُربك حسابات إنتاج الطماطم، وتستنزف جيوب الفلاحين، وتفرض نفسها لاعبًا خفيًا في معادلة العرض والطلب.
تحقيق ميداني من قلب الحقول يكشف كيف تحولت هذه الحشرة الصغيرة إلى أزمة كبيرة، تتداخل فيها خسائر الفلاح، وغياب الرقابة، والمبيدات المغشوشة، لينعكس كل ذلك مباشرة على أسعار الطماطم في الأسواق.
◄ «توتا أبسلوتا».. الآفة التي تأكل الطماطم وأسعارها
تحت أشعة شمس الغروب، يقف محمود رجب النعاس، مزارع أربعيني من محافظة المنيا، يتفقد حقله الذي طالما كان مصدر رزقه. ثمار الطماطم التي كانت تتوهج باللون الأحمر، باتت شاحبة، مثقوبة، وكأن يدًا خفية امتصت منها الحياة.

أكد «النعاس»، أن هذه الحشرة تسببت في زيادة الأعباء المالية على الفلاح بنسبة تتراوح من 20 إلى 30 ألف جنيه إضافية لكل فدان، تُنفق من المزارعين لمكافحة تلك الآفة اللعينة، التي تتسبب في نقص كمية المحصول بخسارة تصل إلى 50%.
أشار إلى أن هذه الدودة ليست جديدة عالميًا، فقد تواجدت في دول أوروبا لسنوات طويلة قبل أن تدخل مصر في عام 2010. وأوضح أن خطورتها تكمن في «الفراشة» التي تضع البيض، لتخرج منه يرقات تعمل بنظام «دودة الأنفاق»، حيث تبدأ بالتهام الأوراق ثم تنتقل لتدمير المحصول نفسه.
ووصف الأمر بأنه «حرب مستمرة» يضطر فيها الفلاح لرش المبيدات الحشرية بكثافة عالية دون جدوى حقيقية. وينتقد «الأربعيني» غياب الدور الإرشادي والرقابي لوزارة الزراعة وكذلك الجمعيات التابعة لها، لعدم توفير علاج جذري وفعال حتى الآن، رغم توفير علاج لهذه الآفة في دول أخرى ، موضحًا أن المزارعون لا يكتفون برش مبيد حشري واحد فقط، بل يلجأون لخلط ما يصل إلى خمسة أنواع من المبيدات في البرميل الواحد، ومع ذلك تظل النتائج مؤقتة وضعيفة.
اقرأ ايضا| أخرهم «الطماطم 025».. أزمات لاحقت «المجنونة»
وأعرب عن اعتقاده بأن بعض المبيدات المتوفرة في السوق قد تكون «مغشوشة» أو غير مطابقة للمواصفات، مما يجعل الحشرة تكتسب مناعة ضدها. وقدم مقارنة صادمة بين الإنتاج المفترض والإنتاج الفعلي نتيجة هذه الأزمة، فهو يقوم بزراعة 20 فدانًا من محصول الطماطم، وينتج الفدان في الظروف الطبيعية «1200 قفص»، أي بمعدل 25 ألف «قفص» لكافة الأفدنة، وتصل سعة الواحد 22 كيلو، ليصل معدل إنتاجة من محصول الطماطم لما يقرب من 500 طن، لكن مع بداية انتشار آفة الـ«توتا ابسلوتا» أصبح معدل الإنتاج 200 طن، وهو ما يعرضه لخسارة أكثر من النصف.
◄ خسائر تتضاعف وإنتاج يتآكل
يوضح المزارعون أن مكافحة «التوتا أبسلوتا» رفعت تكلفة الفدان بما يتراوح بين 20 و30 ألف جنيه إضافية، مع خسائر إنتاج تصل إلى 50%، فضلًا عن تدهور جودة الثمار. وتكمن خطورة الآفة في دورة حياتها السريعة؛ إذ تضع الفراشة البيض لتخرج يرقات تحفر داخل الأوراق والثمار، فتدمر النبات من الداخل.
ورغم الرش المكثف، يلجأ بعض الفلاحين إلى خلط عدة أنواع من المبيدات في محاولة يائسة للسيطرة عليها، دون إشراف إرشادي فعّال، ما يزيد من التكلفة دون جدوى.

◄ المبيدات المغشوشة.. أزمة مضاعفة
داخل قرية الشيخ مسعود يلتقط «حسام زين» أنفاسه، وهو ينحني بظهره الذي أثقله الهموم نحو شتلاته الخضراء، التي كانت تنبض بالحيوية قبل أسبوع فقط، تلتقط يديه ثمرة من محصول الطماطم تبدو للوهلة الأولى أنها جيدة لكن بمجرد تدقيق النظر تجدها ممتلئة بالثقوب.
تحدث «زين»، ابن محافظة المنيا وأحد مزارعي محصول الطماطم، لـ «بوابة أخبار اليوم»، عن معاناته المستمرة منذ عام 2012 بسبب آفة توتا أبسولوتا المعروفة بـ «سوسة الطماطم».
تسببت هذه الحشرة في أضرار جسيمة للمحاصيل والمزارعين على حد سواء، ومنذ ظهورها لم يجد المزارعون أي دواء أو مبيد فعال بنسبة 100% للقضاء عليها، بل إن معظم المبيدات المتوفرة في الأسواق غير فعالة.
◄ أزمة المبيدات وغياب الرقابة
أوضح «زين» أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على سوق المبيدات؛ حيث إن 99% من الأدوية المتوفرة في السوق «مغشوشة» أو غير مطابقة للمواصفات. هذا الوضع دفع بعض الفلاحين، نتيجة اليأس والرغبة في إنقاذ محاصيلهم، إلى استخدام أي دواء متاح دون النظر إلى كونه آمناً على صحة الإنسان أو محرماً استخدامه، فكل همهم هو القضاء على السوسة التي تدمر أرزاقهم.

«إحنا بنرش المحصول بالمبيدات، ولكن يبدو الأمر وكأننا نرش الماء، فلا نتيجة تُذكر».. بنبرات يعتليها الحزن يصف المزارع قلة حيلته التي لم تفلح في التخلص من آفة الطماطم، فيقوم برش المحصول أكثر من مرة، ظناً منه أن الآفة قد هلكت، ليُفاجأ في الأيام التالية أن السوسة لا تزال حية، بل وتزداد انتشاراً وتضع يرقاتها في غضون ساعات قليلة.
◄ تأثير المناخ والإنتاجية
وأكد أن آفة الطماطم تنتشر طوال العام، لكن نشاطها يزداد بوضوح مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف. ورغم أنها لا تزال تعمل في فصل الشتاء الحالي، إلا أن وتيرة نشاطها تكون أبطأ مقارنة بالصيف. تضرر المحصول سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار الطماطم ونقص المعروض، مما يؤثر على المستهلك النهائي.
◄ خسائر فادحة للفلاحين
كشف «زين» عن حجم الخسائرالتى يتكبدها؛ قائلاً «الفدان الواحد في الظروف الطبيعية كان ينتج ما بين 15 إلى 20 طناً. أما الآن، وبسبب هذه الآفة والمبيدات المغشوشة، يضطر الفلاح لإنفاق مبالغ طائلة قد تصل إلى 100 ألف جنيه على الرش والمواد الكيماوية لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي أحسن الأحوال، قد ينجو "الثلث" فقط من المحصول «القطفة الأولى»، بينما يقضي السوس والأمراض على الثلثين المتبقيين».

ووجه «حسام» انتقادات حادة للجمعيات الزراعية والإرشاد الزراعي، واصفاً دورهم بالغياب التام؛ حيث يقتصر عمل الجمعيات على توزيع الأسمدة «الكيماوي» التي لا تخلو عملية توزيعها من المحسوبية فأغلبية أعضاء تلك الجمعيات لا يمثلون مصلحة القرية.
اقرأ ايضا| وزير الزراعة: شركات امتنعت عن استلام محصول الطماطم وتسببت في خسائر
واختتم حديثه بالإشارة إلى أنهم حاولوا التواصل مع المسؤولين في المحافظة، لكن لم يُسمح لهم بشرح معاناتهم أو إيصال صوتهم بشكل حقيقي، مطالباً بضرورة التدخل لفرض الرقابة وتوفير مبيدات حقيقية لإنقاذ ما تبقى من زراعة الطماطم .
◄ من الحقل إلى السوق.. كيف ترتفع الأسعار؟
من جانبه، يوضح حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين خارطة طريق إنتاج الطماطم في مصر، مفسراً التناقض الحاد بين الانخفاض الشديد الذي شهدته الأسعار مؤخراً والارتفاعات «الصاروخية» المتوقعة في الأيام القليلة القادمة.
◄ مصر سادس منتجي العالم
وأكد على مكانة مصر كقوة زراعية كبرى، فهي تحتل المرتبة السادسة عالمياً في إنتاج الطماطم، والمحصول يُزرع في مصر عبر 6 عروات سنوية، منها ثلاث عروات أساسية «الصيفية، الشتوية، والخريفية»، بالإضافة إلى عروات متداخلة تضمن تدفق الإنتاج طوال العام.

وكشف نقيب الفلاحين، عن لغة الأرقام التي تحكم هذا القطاع، حيث تبلغ المساحة المزروعة ما يقرب من 500 ألف فدان، بإنتاج سنوي يصل إلى 6.5 مليون طن، لا يُصدّر منها سوى 3% فقط «نحو 150 ألف طن»، بينما يذهب الجزء الأكبر للاستهلاك المحلي والتصنيع.
◄ الخسارة والربح: لماذا ترتفع الأسعار؟
فسر النقيب التذبذب الحاد في الأسعار بما وصفه بـ «رد الفعل العشوائي»، حيث يندفع المزارعون لزيادة المساحات عند ارتفاع السعر، مما يؤدي لوفرة مفرطة في العروة التالية تخفض السعر لما دون التكلفة.
وعن سبب الانخفاض السابق، أوضح أن المناخ كان معتدلاً والمساحات شاسعة والشتلات ممتازة، مما أدى لفيض في الإنتاج جعل سعر الكيلو في «الغيط» يتراوح بين 2 إلى 3 جنيهات، في حين أن تكلفته الفعلية على الفلاح هي 4 جنيهات، مما كبّد المزارعين خسائر فادحة.
◄ ناقوس الخطر: «التوتا أبسلوتا»
حذر النقيب من أن الارتفاع القادم ليس مجرد «جشع تجار»، بل هو نتيجة منطقية لعدة عوامل: أولها إهمال المحصول نتيجة الخسائر، وتوقف الكثير من الفلاحين عن رعاية المحصول، بل وقيام البعض بتقديم "عرش الطماطم" كعلف للأغنام بعد أن أصبح ثمن جمعه ونقله أغلى من ثمن بيعه.
كذلك انتشار آفة «التوتا أبسلوتا» «حفار أوراق الطماطم» بشكل مخيف، وذلك بسبب توقف الفلاحين عن رش المبيدات لغلاء ثمنها وعدم وجود جدوى اقتصادية من حماية محصول يُباع بخسارة، مما أدى لتشوه الثمار وقلة الإنتاج.
وأخيراً دخول الفترة الانتقالية بين العروتين الشتوية والصيفية، والتي يتزامن معها نقص طبيعي في المعروض.

وأشار أبو صدام، إلى لوجود «مافيا» للمبيدات والشتلات المغشوشة تعمل بعيداً عن الرقابة في القرى والنجوع. ووصف ما يحدث بأنه «جريمة وتدليس» بحق الفلاح والأمن القومي الغذائي، حيث يتم خلط التقاوي الممتازة بأخرى رديئة، وبيع سوائل مجهولة على أنها مبيدات غالية الثمن، مما يؤدي لضياع ميزانية الفلاح دون القضاء على الآفات، وبالتالي تدمير المحصول بالكامل.
وطالب بضرورة تجديد الرقابة وتكثيف الحملات الدورية من قبل وزارة الزراعة والجهات الرقابية ومباحث التموين على محلات المبيدات، مؤكداً أن الفلاح البسيط لا يمكنه تقنياً التمييز بين المنتج الأصلي والمغشوش إلا بعد "خراب المال".
◄ توقعات الموسم
اختتم نقيب الفلاحين حديثه بالتأكيد على أن الارتفاعات القادمة هي في الحقيقة «عودة للأسعار العادلة»، لأن سعر 5 جنيهات للكيلو كان يمثل ظلماً للمنتج. وتوقع أن يشهد السوق ضغطاً كبيراً مع اقتراب موسم الأعياد وشهر رمضان المبارك، حيث يزداد الطلب تزامناً مع قلة المعروض، مما يستوجب تفهم المواطنين لأبعاد الأزمة التي يمر بها المزارع المصري.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







