يمكن للرسوم المتحركة أن تجسد كل ما يمكن أن يتصوره العقل البشرى، وهذه القدرة تجعلها واحدة من أكثر وسائل التواصل تنوعا ووضوحا، وقادرة على نيل التقدير الجماهيرى السريع، لذلك فالطفل اليوم لا يعرف «بكار»، ولا ينتظر «مشمش أفندي»، ولا يحفظ أغنية المقدمة لمسلسل كارتون «صنِع له خصيصًا».
شاشة طفولته امتلأت بأبطال لا يشبهونه، يتحدثون لغات غير لغته، ويتحركون داخل عوالم بعيدة عن واقعه. هكذا، وبلا ضجيج، خرجت الرسوم المتحركة المصرية من المشهد، رغم أنها كانت يومًا جزءًا أصيلًا من تشكيل الوعى والخيال والذوق العام.. لم يكن الاختفاء بسبب فقر الموهبة، بل نتيجة سلسلة طويلة من الإهمال وسوء التقدير، بدأت بغياب التمويل، ومرت بتراجع دور الدولة، وانتهت بترك هذا الفن لمصيره فى سوق لا يعترف إلا بالربح السريع. في السطور التالية نفتح ملف اختفاء الكارتون المصري، ونسأل كيف ضاع فن قادر على تربية جيل كامل؟ ومن ترك الطفل وحيدًا أمام شاشة لا تشبهه؟
◄ اقرأ أيضًا | انطلاق «أفلام الكارتون» بالجزيرة
◄ صناعة غائبة ووعي مهدد.. «بيت الرسوم».. عودة الحياة لفنون التحريك
فى ختام ملتقى الرسوم المتحركة فى دورته ١٥، أعلن د. أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة إطلاق «بيت الرسوم المتحركة» ليكون مركزا متكاملًا لتدريب وصناعة وتطوير أفلام التحريك، وتقديم الدعم الكامل للمبدعين الشباب، وفتح آفاق جديدة لوصول أعمالهم إلى المنصات المحلية والدولية، مع الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية، كما أعلن وزير الثقافة تنفيذ أول مشروع «للوصف الصوتى» لأفلام التحريك، دعمًا لأبنائنا من ذوى البصيرة، مؤكدًا أن الثقافة حق أصيل للجميع، ويجب ألا تستثنى أحدًا من المشاركة والمتعة، كما أكد أن فن الرسوم المتحركة لغة عالمية تفتح آفاقا واسعة للتعبير عن الأحلام والقيم الإنسانية، وأن «بيت الرسوم المتحركة» سيكون مساحة حقيقية للإبداع وتمكين الشباب من تطوير مهاراتهم وإنتاج أعمال قادرة على المنافسة والوصول إلى الجمهور داخل مصر وخارجها.
ويُشدد المعماري حمدي السطوحي على ضرورة سرعة تنفيذ توجيهات الوزير، سواء فيما يتعلق بإنشاء بيت الرسوم المتحركة أو مشروع الوصف الصوتى، موجهًا الشكر للدعم المتواصل الذى تقدمه وزارة الثقافة لفنون التحريك.
ويرى خبراء الرسوم المتحركة أن أزمة إنتاج مسلسلات الكارتون المصرية تعود بالأساس إلى غياب التمويل وعدم وجود دعم مستدام، إضافة إلى غياب قناة متخصصة تعنى بالطفل المصرى بشكل مستمر، كما هو الحال فى دول عربية أخرى. ويؤكد المتخصصون أن غياب المحتوى الكرتونى المحلى يؤثر سلبًا على وعى الأطفال، ويفتح الباب أمام محتوى مستورد يحمل رموزًا ورسائل ثقافية لا تتوافق بالضرورة مع البيئة المصرية.
◄ الشباب في الصدارة
كشفت نتائج الدورة الخامسة عشرة من ملتقى القاهرة الدولى لأفلام التحريك عن هيمنة واضحة للشباب والطلبة، بنسبة تقارب 90% من إجمالى الفائزين، فى مؤشر يؤكد أن الجيل الجديد هو المحرك الأساسى لمستقبل هذا الفن.. وتوزعت الجوائز على صناع أفلام من مصر وروسيا والهند والجزائر والمجر واليابان والصين والبرازيل وهولندا وشمال مقدونيا، فى دورة عكست تنوعًا ثقافيًا وتجريبيًا لافتًا.
جوائز الدورة الـ15 شملت فى مسابقة العمل الأول، المركز الأول «مناصفة” بين «إلى الحلم» إخراج هنا خالد محمود كامل، و«لقمة هنية» إخراج آلاء أحمد حاتم، بينما المركز الثانى «مناصفة» بين «خروف من جهة مهنية» إخراج محمد طارق معوض بدر، و«LOOP» إخراج إسلام قطب، وحصل على شهادات تقدير «الخيط المفقود” لميسون حسن يوسف، و«صندوق الذكريات» لفرح أيمن، و«Till We Meet Again» لمحمود رأفت، و«One Day the Sun Explodes» لـLisa Prokopenko من روسيا، و«Our President Is a Crocodile» لـ Srishti Seema Shukla من الهند.
وفى مسابقة الأفلام القصيرة حصد المركز الأول «Shorts from the Box» لـ Géza M. Tóthمن المجر، والثانى «The Color of Silence» لمحمد آيت حمو الجزائرى، وبمسابقة التحريك التجريبى، حصد المركز الأول «Dipolar Bipolar» لـ Quankai Liمن اليابان، والمركز الثانى «Quack» لـKuntao Zhou من الصين، وبمسابقة الأفلام الطويلة، حصد المركز الأول «Abah and His Band» لـ Humberto Avelarمن البرازيل، والمركز الثانى «John Vardar vs the Galaxy» لـ Goce Cvetanovski من شمال مقدونيا.
◄ مخرجون: نعاني ضعف التمويل وغياب الرؤية
يقول مخرج الرسوم المتحركة محمد طارق معوض يقول إن التهديد الحقيقي لصناعة الرسوم المتحركة ليس فنيًا بقدر ما هو إنتاجى، موضحًا أن كثيرا من المُنتجين يترددون فى تمويل هذا النوع من المشروعات، مُضيفًا أن التطور التكنولوجي، بما فيه الذكاء الاصطناعي، لا يُهدد الصناعة، بل يُمكن تسخيره فى تجارب جديدة، شريطة احترام حقوق الملكية الفكرية، مُشددًا على أن الرسوم المتحركة من أقوى أدوات القوة الناعمة، ولها بصمة لا تنسى في توجيه وعى الأطفال والكبار.
وتقول المخرجة فرح أيمن إن فيلمها «صندوق الذكريات» (2025) كان مشروع تخرجها من كلية الفنون الجميلة، شعبة الرسوم المتحركة، ونفذته بالكامل بتقنية “Frame by Frame Animation”، بداية من السيناريو وحتى الإخراج وإضافة الأصوات. الفيلم، ومدته 3 دقائق، يحكى عن فتاة تعثر على صندوق صغير يأخذها فى رحلة عبر ذكرياتها، كرمز لعلاقة الإنسان بالحنين والرغبة فى الاحتفاظ بالماضي، وتؤكد فرح أن القوة الناعمة بات تأثيرها اليوم لا يقل عن السلاح، مُشددة على أن الذكاء الاصطناعى، رغم تطوره، لم يصل بعد إلى السلاسة والتأثير الإنسانى الذى تتركه الأعمال البشرية.
بينما يرى مُخرج الرسوم المتحركة إسلام قطب أن فن التحريك فى مصر لم يختفِ يومًا، منذ فيلم «مشمش أفندى» عام 1936 وحتى أعمال مثل «بكار» و«مفتش كرومبو» و”سوبر هنيدى”، لكنه يؤكد أن الاتجاه إلى تقليل التكاليف والاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعى، إلى جانب ضعف العائد المادى، دفع كثيرًا من الفنانين لترك المجال. ويضيف: «الأنيميشن صناعة قادرة على تحقيق أرباح ضخمة عالميًا إذا أُنتجت بشكل صحيح، كما يمكنها دعم السياحة وتغيير الصورة النمطية عن مصر».
ويقول المخرج محمود رأفت كاتب ومخرج فيلم الرسوم المتحركة «Till We Meet Again»، إن أزمة الرسوم المُتحركة فى مصر ليست فنية على الإطلاق، بل إنتاجية وتمويلية فى الأساس، موضحًا أن ضعف إنتاج مسلسلات الكارتون المصرية يعود لغياب الدعم الكافى لمشروعات من هذا النوع، التى تُعد بطبيعتها مكلفة وتحتاج إلى نفس طويل، مُضيفًا أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى غياب قناة مُخصصة لدعم الطفل المصرى بشكل مستمر، كما هو الحال فى دول عربية أخرى.
◄ هناء خالد: نمتلك كوادر قادرة على الإنتاج بجودة عالمية
تقول مخرجة التحريك هناء خالد إن الرسوم المتحركة فن جميل، إلا أنه للأسف لم ينل حقه، لأنه غالبًا يُصنَّف على أنه مخصص للأطفال فقط، وتوضح أن هذا التصور غير صحيح، فهناك العديد من أفلام الأنيميشن التى تخاطب الكبار أيضًا.
وتضيف أن معظم الناس يعتقدون أن الإنتاج المصرى فى مجال الرسوم المتحركة ذو جودة منخفضة، لعدم القدرة على إنتاج أعمال بمستوى عالمى، لكنها تؤكد أن الواقع مختلف، مشيرة إلى أن مصر تمتلك كوادر فنية قادرة على إنتاج رسوم متحركة عالية الجودة تشبه الأفلام العالمية.، وأن المشكلة تكمن عادة فى تكلفة الإنتاج المرتفعة، إذ تتطلب الرسوم المتحركة مجهودًا كبيرًا ووقتًا أطول مقارنة بأفلام التصوير التقليدية، إضافة إلى أن شعبيتها الجماهيرية فى مصر محدودة، مما يجعل المنتجين مترددين فى الاستثمار فيها.
وحول تأثير الذكاء الاصطناعى، تقول هناء: «حتى الآن، يمكن للذكاء الاصطناعى أن يساعد فى بعض مراحل إنتاج الرسوم المتحركة، ويقلل وقت تنفيذ المهام، لكنه لا يستطيع إنتاج فيلم كامل بجودة عالية وحركة طبيعية وتفاصيل الأنيميشن المبالغ فيها بمفرده».
وتضيف: «فى المستقبل لا يمكن الجزم بدقة إلى أين سيصل دوره، لكنه يبقى أداة مساعدة وليس بديلاً عن الفنانين»، وتشير هناء إلى أن مصر تحتفل هذا العام بمرور 90 عامًا على صناعة الرسوم المتحركة، لكنها تعبر عن أسفها لأن الأعمال المصرية التى يتذكرها الناس قليلة نسبيًا مقارنة بهذه المدة الطويلة، وأغلب ما يذكره الجمهور عادةً أعمال قديمة مثل «بكار» أو قصص الأنبياء. وتوضح هناء أن الأطفال اليوم يفتقدون إلى إنتاج رسوم متحركة عالية الجودة تعكس البيئة والعادات والتقاليد المصرية بطريقة مسلية، وليس فقط لإعطاء دروس تربوية مباشرة. وتؤكد أن مثل هذا المحتوى لن يكون ممتعًا فقط للأطفال، بل يمكن أن يجذب الكبار أيضًا، وتضيف أن بعض الأعمال الأجنبية قد تحتوى على أفكار غير مناسبة للبيئة العربية، لذلك وجود إنتاج محلى متقن سيكون مفيدًا وممتعًا فى آن واحد.
◄ آلاء حاتم: «الأنيميشن» ضرورة ثقافية وليس ترفيهًا
تقول مخرجة التحريك آلاء أحمد حاتم إن الرسوم المتحركة من أعظم أشكال الفن، فهى فن نقل الرسمة الثابتة إلى حركة حية، وتقنية رائعة لتجسيد الخيال بلا حدود.. وتضيف أن الجميل فى هذا النوع من الفن هو القدرة على سرد أنواع متعددة من القصص، سواء كانت خيالية أو واقعية، بطريقة ممتعة وساحرة، وتشير إلى أن الرسوم المتحركة ليست مخصصة للأطفال فقط، بل هناك أعمال وأساليب مختلفة تخاطب فئات عمرية متنوعة من المجتمع.
توضح آلاء أن إنتاج الرسوم المتحركة الطويلة أو حلقات الكارتون شبه منعدم فى مصر حاليًا، مشيرة إلى أن الوسائط الأكثر انتشارًا لإنشاء الرسوم المتحركة فى مصر اليوم هى الإعلانات والأفلام القصيرة المستقلة. وتذكر أن هذا يختلف عن الماضى، حين كان يُنتج للكارتون المصرى أعمال للأطفال مثل «بكار» و«بسنت ودياسطي» و«سنوحي».
وتقول: «هذا الوضع يحزننى جدًا، فلدينا مواهب كبيرة تضيع بسبب قلة الميزانية وضعف الإنتاج، رغم التطور التقني الكبير الذى شهده مجال الأنيميشن المصرى، العالم لا يرى هذه الإنجازات»، مشددة على أهمية أن يتمكن الجمهور المصري والعربي من متابعة المحتوى المحلي بلغتهم وثقافتهم، مؤكدة أن مصر بلد غنى بالمواهب، وأن الرسوم المتحركة المصرية كان لها تأثير كبير في المنطقة. وتضيف أن إعلان وزارة الثقافة عن إنشاء «بيت الرسوم المتحركة» خطوة مهمة ومفرحة، إذ سيفتح المجال أمام الفنانين لتطوير مهاراتهم الفنية، ويعطى مستقبلًا واعدًا للأنيميشن في مصر.
وتؤكد آلاء أن نقص المحتوى الكرتونى المصرى للأطفال يؤثر سلبًا على وعيهم ونموهم العاطفى والفكرى، وتوضح: «كطفلة كنت أشاهد كل أنواع الكارتون، مصريا وأجنبيا، لكن الآن هناك نقص كبير فى الأعمال الموجهة للأطفال فى الشرق الأوسط. مشاهدة الكارتون تساعد الطفل على فهم العالم والمشاعر الإنسانية، شرط أن يكون المحتوى مدروسًا وموجهًا بعناية». وتشير إلى أن الكرتون الأجنبى مفيد، لكنه لا يعكس البيئة والثقافة المصرية، مؤكدة أن «الأطفال بحاجة إلى محتوى يربطهم بهويتهم كمصريين». كما تحذر من أن غياب الكارتون المحلى يجعل الأطفال يلجأون لاستخدام الإنترنت بشكل مفرط، مما قد يعرضهم لمحتوى ضار.
وحول تأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة الأنيميشن، تقول آلاء: «الذكاء الاصطناعى لن يستطيع أن يحل محل الفنانين فى مجالات تتطلب «مهارة وإنسانية عالية».. التحريك يحتاج تفكيرًا ومجهودًا كبيرًا، فلكل عمل أنيميشن ستايله الخاص، سواء فى الرسم أو التحريك أو الأسلوب الإخراجي».
وتوضح: «المحركون يدخلون فى تفاصيل دقيقة جدًا، مثل الألوان، الشخصيات، نوع الخط، المسافات بين الكادرات، حركة الشخصيات، وغيرها، كما يحتاجون لتعلم التمثيل لجعل الشخصيات تعبر عن المشاعر المختلفة، كل هذا لا يمكن للذكاء الاصطناعى تعويضه بمجرّد أوامر كتابية. وتؤكد أن معظم تقنيات AI تعتمد على تقليد أعمال أنيميشن مصنوعة يدويًا، لذا فهى غير قادرة على الاستغناء عن المحركين الحقيقيين.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







