عقود من رسائل الوحدة والتآلف :الإمام الطيب.. مسيرة مشرفة تعزز «المحبة والمواطنة»

لا مجال أن يُطلق على المسيحيين «أهل ذمة».. وهم مواطنون متساوون فى الحقوق والواجبات

الدكتور أحمد الطيب  و البابا تواضروس الثاني
الدكتور أحمد الطيب و البابا تواضروس الثاني


فى كل عام، وبالتزامن مع احتفالات المسيحيين فى الشرق والغرب بأعيادهم، تعيد وسائل إعلام ومواقع وصفحات إلكترونية ترويج آراء شاذة ومتشددة حول العلاقة بين المسلمين وغيرهم.

 وفى الوقت الذى تجد فيه مثل هذه الآراء نفاذاً ورواجاً، تدفعه الرغبة فى تحقيق الانتشار والمشاهدات والأرباح، يواصل الأزهر الشريف وعلى مدى عقود رفض هذه الآراء وتفنيدها فى وثائقه ومناهجه، وفى خطابات شيخه فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، وبشكل حاسم يرتكز على صحيح الدين ومقاصد الشريعة، ومنهج الأخوة الإنسانية الذى عززه وكرسه الإمام الطيب فى العقل الأزهرى. 

ويؤكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أن الأزهر يعتز بالعَلاقة التى تربط المصريين؛ مسلمين ومسيحيين، والتى تنبع من الفهم الصحيح للدِّين، موضحاً أن تهنئة المسيحيين بالأعياد ليست من باب المجاملة أو الشكليات، وإنما تأتى انطلاقاً من فهمنا لتعاليم ديننا الحنيف.

وأشار إلى أنَّ علاقة المسلمين والمسيحيين تُعد تجسيداً حقيقياً للوحدة والإخاء، وأنَّ هذه الأخوَّة ستظلُّ دائماً الرباط المتين الذى يَشتدُّ به الوطن فى مواجهة الصعاب والتحديات، موضحاً أنه لا توجد فى القرآن أديان مختلفة لكن توجد رسائل إلهية تعبر عن الدين الإلهى الواحد، لافتاً إلى أن هناك وحدة تربط نبى الإسلام محمداً، صلى الله عليه وسلم، بغيره من الأنبياء، وهى الأخوَّة، مستشهداً بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناسِ بِعِيسَى ابنِ مريمَ فى الدنيا والآخرةِ، ليس بَيْنِى وبينَهُ نَبِى، والأنْبياءُ أوْلادُ عَلَّاتٍ؛ أُمَّهاتُهُمْ شَتَّى، ودِينُهُمْ واحِدٌ».

اقرأ أيضًا | عيد الميلاد 2025.. لماذا يحتفل به الأقباط الكاثوليك في 25 ديسمبر؟

واعتبر الإمام الطيب موعظة الجبل للسيد المسيح دستوراً أخلاقياً ومعياراً للسلوك الإنسانى الراقى، مشيراً إلى أن المسيح سعى إلى نقل المجتمع من النخبة التى تتعبد النوازع الشخصية إلى إعادة تهيئته إلى المثالية، متابعاً: عندما أقرأها تدمع عينى؛ لما فيها من قيم وسماحة.

وأكد أن الإسلام هو دين الرحمة والمسيحية هى دين المحبة، وهما يتعاونان اليوم ويتعانقان من أجل عالم يسوده التسامح والسلام، موضحاً أن مشروعية الحرب فى الإسلام ليست مقصورة على الدفاع عن المساجد فقط، بل مشروعة بالقدر ذاته للدفاع عن الكنائس وعن معابد اليهود. 

وأشار الدكتور الطيب إلى أن الإسلام مرتبط بالمسيحية منذ قدوم عمرو بن العاص لمصر، حيث كان أول ما فعله هو الإفراج عن البابا بنيامين، الذى كان مختبئاً من بطش الرومان، فأبلغه مأمنه، غير المكانة التى تحظى بها السيدة مريم العذراء فى نفوس المسلمين.

وقال فضيلته إن الإسلام لا ينظر لغير المسلمين من المسيحيين واليهود إلا من منظور المودة والأخوَّة الإنسانية، وهناك آيات صريحة فى القرآن تنص على أن علاقة المسلمين بغيرهم من المسالمين لهم- أياً كانت أديانهم أو مذاهبهم- هى علاقة البر والإنصاف.

وأوضح شيخ الأزهر الشريف أنه لا محل ولا مجال أن يُطلق على المسيحيين أنهم أهل ذمة، مؤكداً أنهم مواطنون متساوون فى الحقوق والواجبات، مشيراً إلى أن مصطلح الأقليات لا يعبر عن روح الإسلام ولا عن فلسفته، وأن مصطلح المواطنة هو التعبير الأنسب، والعاصم الأكبر والوحيد لاستقرار المجتمعات. 

وأفاد بأن المواطنة معناها المساواة فى الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعاً، بخلاف مصطلح «الأقليات» الذى يحمل انطباعات سلبية تبعث على الشعور بالإقصاء، وتضع حواجز نفسية تتداعى وتتراكم فى نفس المواطن الذى يطلق عليه أنه مواطن من الأقليات. 

ونبّه شيخ الأزهر إلى أن المواطنة لا تتوقف عند اختلاف دين أو اختلاف مذهب، فالكل متساوون فى الحقوق والواجبات، والجميع سواسية أمام القانون فى الدولة، وعلى الجميع أن يدافعوا عن هذا الوطن ويتحملوا المسئولية الكاملة.

وتابع أن الحضارة الإسلامية أول من حفظ حقوق غير المسلمين، وأكدت المساواة التامة بين المواطنين من خلال الصيغة التعاقدية بين غير المسلمين وبين الدولة الإسلامية.

عن الأصوات التى تُحرِّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وتنهى عن أكل طعامهم، ومواساتهم فى الشدائد، ومشاركتهم فى أوقات الفرحة، أكد فضيلة الإمام الأكبر أن هذا فكر متشدد لا يمت للإسلام بصلة، وهو فكر لم تعرفه مصر قبل سبعينات القرن الماضى؛ فمنذ السبعينات حدثت اختراقات للمجتمع المصرى مسَّت المسلمين والمسيحيين، وهيأت الأرض لأن تؤتى مصر من قبَل الفتنة الطائفية، وتبع هذا أن التعليم الحقيقى انهار، والخطاب الإسلامى انهار أيضاً، وأصبح أسير مظهريات وشكليات وتوجهات، وكُنا نرى عشرات القنوات الفضائية تبث خطاباً إسلامياً دون أن يتحدث القائمون عليها فى قضية محترمة، أو أن يتطرقوا إلى مسألة ترسيخ أسس المواطنة، ونشر فلسفة الإسلام فى التعامل مع الآخر، وبخاصة المسيحيون، والسبب فى ذلك أن هؤلاء كانوا غير مؤهلين، وفاقدين لثقافة الإسلام فى هذا الجانب، وغير مطلعين على هذه الأمور، وكانوا يسعون إلى نشر مذاهب يريدون من خلالها تحويل المسلمين إلى ما يمكن أن نسميه شكليات فارغة من جوهر الإسلام الحقيقى، وأصبح عندنا ما يمكن أن نطلق عليه «كهنوت إسلامى جديد»، بحيث إن أى مسلم لا يستطيع أن يتقدم خطوة إلا إذا بحث عن: هل هذه الخطوة حلال أو حرام؟

وشدد شيخ الأزهر على أن من يحرِّمون تهنئة المسيحيين بأعيادهم غير مطلعين على فلسفة الإسلام فى التعامل مع الآخر بشكل عام، ومع المسيحيين بشكل خاص، والتى بيَّنها لنا الخالق عز وجل فى قوله: «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ».

وعن موقف الأزهر الشريف من مسألة بناء الكنائس، حسم فضيلة الإمام الأكبر الأمر قائلاً: إن الأزهر ليس لديه أى غضاضة على الإطلاق فى هذه المسألة؛ لأن الإسلام ليس ضد بناء الكنائس، ولا يوجد لا فى القرآن ولا فى السنة النبوية ما يحرم هذا الأمر، ولذلك لا يمكن أن يتدخل الأزهر لمنع بناء كنيسة، وأنا أرى أن دور العبادة لا تحتاج إلى قانون ينظم بناءها؛ فمن أراد أن يبنى مسجداً وكان لدى وزارة الأوقاف الإمكانات اللازمة لهذا البناء فليبن، وكذلك من أراد أن يبنى كنيسة وتوافرت الإمكانات فليبن. 

ووصف شيخ الأزهر ما يحدث فى بعض القرى والنجوع من مضايقات عند بناء أى كنيسة بأنه ميراث وليد عادات وتقاليد والناس تناقلته، وليس له أصل فى الإسلام.

وأكد أن الله تعالى أنعم على الأمة الإسلامية بشريعة كريمة سمحة، سعد بها وبأحكامها المسلمون كل السعادة، وعاش فى ظلها الوارف غيرهم من أهل الملل الأخرى آمنين مطمئنين. وعلى الرغم من سماحة هذا الدين، ويسر أحكامه، ورحابة استيعابه للمخالفين له، فإنه بمرور الزمن طرأت على الفكر الإسلامى أنماط شاذة من التفكير غابت عن أصحابها حكمة الشريعة ومقاصدها العليا فى التعامل مع أهل الأديان الأخرى، فانحرفت بالإسلام عن سماحته، وبالفكر الإسلامى عن وضوحه ونقائه، حتى رأينا ظواهر غير مألوفة ولا مقبولة فى معاملة غير المسلمين.
 
تبنى الأزهر الشريف موقفاً واضحاً وصريحاً من كل الدعوات التى يروج من خلالها البعض أن المسيحيين «أقلية» فى وطنهم، وأنهم غير متساوين فى الحقوق والواجبات مع المسلمين، حيث رفض الأزهر كل هذه الدعوات الشاذة، وأصدر فى هذا الصدد وثيقة تاريخية حملت عنوان: «إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك». وكان أول المبادئ التى أكدها الأزهر الشريف، فى هذا الإعلان التاريخى، أن المسلمين والمسيحيين إخوة فى الإنسانية، وشركاء فى الوطن، وجميعهم مواطنون متساوون فى الحقوق والواجبات، وأن «المواطنة» مصطلح أصيل فى الإسلام، وأن على المثقفين الانتباه إلى خطورة استخدام مصطلح «الأقليات»، الذى يحمل فى طياته معانى التمييز والانفصال بداعى التأكيد على الحقوق، وغير ذلك من المبادئ والحقوق المهمة.

فى أواخر فبراير، والأول من مارس عام 2017، عقد الأزهر الشريف مؤتمراً عالمياً بعنوان: «الحرية والمواطنة... التنوع والتكامل»، شارك فيه أكثر من 200 شخصية من 60 دولة من النُخب الدينية والمدنية والثقافية والسياسية- الإسلامية والمسيحية- فى الوطن العربى والعالم، إضافة إلى كثير من رجال السياسة والفكر والثقافة والإعلام فى مصر.

وقد حرص الأزهر الشريف على عقد هذا المؤتمر لتأكيد عدة مبادئ مهمة، وهى تلك التى ذكرها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، فى كلمته التى ألقاها فى افتتاح ذلك المؤتمر، حيث قال فضيلته: «استِجابةً للاحتياجاتِ المُتجدِّدةِ التى تَتطلَّعُ لتحقيقها مجتمعاتُنا العرَبيَّة ومُواجهةً للتحدِّيات التى يَتعرَّضُ لها الدِّينُ والمجتمعُ والدُّوَلُ الوَطَنيَّة وإدراكاً للمَخاطِرِ الجَمَّةِ التى تَعتَرِضُ تجرِبةَ التَّعدُّديَّةِ الدِّينيَّةِ الفريدة، فى مجتمعاتنا ومجالنا الحضارى ومُتابعةً للجهود والوثائق والمُبادَرات، المنفرِدةِ والمشتركةِ، التى قام بها الأزهرُ، والمُؤسَّساتُ والجهاتُ الدِّينيَّةُ والمدَنيةُ الأُخرى فى العالمِ العرَبى، فى السنَواتِ الماضية، وانطِلاقاً من الإرادةِ الإسلاميَّةِ- المسيحيَّةِ المُصمِّمةِ على العَيْشِ المشترَك، ورَفْضِ التَّطرُّفِ، وإدانةِ العُنفِ والجَرائِمِ التى تُرتكبُ باسمِ الدِّين، وهو منها بَراءٌ».

 وقد عقد الحاضرون لمؤتمر: «الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل»، على مدار يومى 28 فبراير والأول من مارس 2017، عدة جلسات ومحاضرات، ودارت بينهم العديد من النقاشات، ثم ألقى فضيلة الإمام الأكبر البيان الختامى للمؤتمر، الذى تضمن «إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك».

ونص «إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك» على أن «المواطنة» مصطلح أصيل فى الإسلام، وقد شعت أنواره الأولى من دستور المدينة وما تلاه من كتب وعهود لنبى الله- صلى الله عليه وسلم- يحدد فيها علاقة المسلمين بغير المسلمين، ولذلك يبادر الإعلان إلى التأكيد على أن المواطنة ليست حلاً مستورداً، وإنما هى استدعاء لأول ممارسة إسلامية لنظام الحكم طبقه النبى- صلى الله عليه وسلم- فى أول مجتمع إسلامى أسسه، وهو دولة المدينة.

كما نص الإعلان على أن هذه الممارسة لم تتضمن أى قدر من التفرقة أو الإقصاء لأى فئة من فئات المجتمع آنذاك، وإنما تضمنت سياسات تقوم على التعددية الدينية والعرقية والاجتماعية، وهى تعددية لا يمكن أن تعمل إلا فى إطار المواطنة الكاملة والمساواة، التى تمثلت بالنص فى دستور المدينة على أن الفئات الاجتماعيةَ المختلفة ديناً وعرقاً هم أمة واحدة من دون الناس، وأن غير المسلمين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.

وأشار الإعلان إلى أن تبنى مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق يستلزم بالضرورة إدانة التصرفات التى تتعارض ومبدأ المواطنة، من ممارسات لا تقرها شريعة الإسلام، وتبنى على أساس التمييز بين المسلم وغير المسلم، وتترتب عليها ممارسات الازدراء والتهميش والكيل بمكيالين، فضلاً عن الملاحقة والتضييق والتهجير والقتل، وما إلى ذلك من سلوكيات يرفضها الإسلام، وتأباها كل الأديان والأعراف. وأوضح الإعلان أن أول عوامل التماسك وتعزيز الإرادة المشتركة يتمثل فى الدولة الوطنية الدستورية القائمة على مبادئ المواطنة والمساواة وحكم القانون، وعلى ذلك فإن استبعاد مفهوم المواطنة بوصفه عقداً بين المواطنين- مجتمعات ودولاً- يؤدى إلى فشل الدول والمؤسسات الدينية والنخب الثقافية والسياسية، وضرب التنمية والتقدم، وتمكين المتربصين بالدولة والاستقرار من العبث بمصائر الأوطان ومقدراتها. 

كما أن تجاهل مفهوم المواطنة ومقتضياته يشجع على الحديث عن الأقليات وحقوقها، ومن هذا المنطلق يتمنى الإعلان على المثقفين والمفكرين أن يتنبهوا لخطورة المضى فى استخدام مصطلح «الأقليات»، الذى يحمل فى طياته معانى التمييز والانفصال بداعى التأكيد على الحقوق، وقد شهدنا فى السنوات الأخيرة صعود هذا المصطلح من جديد، الذى كنا نظن أنه ولى بتولى عهود الاستعمار، إلا أنه عاد استخدامه أخيراً للتفرقة بين المسلمين والمسيحيين، بل بين المسلمين أنفسهم، لأنه يؤدى إلى توزع الولاءات والتركيز على التبعية لمشروعات خارجية.
 
وأكد الإعلان أنه نظراً لما استشرى فى العقود الأخيرة من ظواهر التطرف والعنف والإرهاب التى يتمسح القائمون بها بالدين، وما يتعرض له أبناء الديانات والثقافات الأخرى فى مجتمعاتنا من ضغوط وتخويف وتهجير وملاحقات واختطاف، فإن المجتمعين من المسيحيين والمسلمين فى مؤتمر الأزهر يعلنون أن الأديان كلها براء من الإرهاب بشتى صوره، وهم يدينونه أشد الإدانة ويستنكرونه أشد الاستنكار، ويطالب المجتمعون من يربطون الإسلام وغيره من الأديان بالإرهاب بالتوقف فوراً عن هذا الاتهام الذى استقر فى أذهان الكثيرين بسبب هذه الأخطاء والدعاوى المقصودة وغير المقصودة. 

وأضاف الإعلان أن حماية المواطنين فى حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم وسائر حقوق مواطنتهم وكرامتهم وإنسانيتهم، صارت الواجب الأول للدول الوطنية التى لا يصح إعفاؤها منها، صوناً لحياة المواطنين وحقوقهم، ولا ينبغى بأى حال من الأحوال مزاحمة الدولة فى أداء هذا الواجب، أياً كان نوع المزاحمة، وأن النخب الوطنية والثقافية والمعنيين بالشأن العام فى الأوطان العربية كلها، يتحملون جميعاً مسئوليات كبرى إلى جانب الدولة فى مكافحة ظواهر العنف المنفلت، سواء أكانت لسبب دينى أو عرقى أو ثقافى أو اجتماعى.