إسلام عفيفى يكتب: من الهيمنة إلى القوة المفرطة

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


من هنا تبدو فكرة «النظام العالمى متعدد الأقطاب» أقل رومانسية

مع بداية عامٍ جديد، تبدو واشنطن وكأنها تعيد تعريف معنى «الحضور» ذاته: هل الحضور أن تكون داخل المؤسسات التى تكتب قواعد العالم، أم أن الحضور أن تقف خارجها وتفرض شروطك بالقوة والصفقة والتهديد؟ إعلان ترامب الانسحاب من 66 كيانًا ومنظمة دولية، بينها 31 جهة تابعة للأمم المتحدة و35 جهة خارجها، ليس قرارًا إداريًا ولا مراجعة ميزانية، بل رؤية عن كيف ترى الإدارة الأمريكية نفسها فى النظام الدولي: أقل التزامًا، أكثر اشتباكًا، وأشد حساسية تجاه كل ما يُقرأ كقيدٍ على «السيادة» أو كتسريبٍ للقرار نحو بيروقراطيات عابرة للحدود.

المسألة ليست أن أمريكا تستطيع الانسحاب أو لا تستطيع لأنها بالفعل تستطيع، وستفعل، المسألة هى ما الذى تخسره حين تنسحب من غرف كتابة القواعد، الهيمنة الأمريكية لم تكن يومًا مجرد تفوق عسكرى واقتصادي، بل كانت قبل ذلك قدرةً على تحويل التفوق إلى «نظام»: معايير، مؤسسات، تمويل، لغات قانونية، وأدوات شرعية تجعل النفوذ مستدامًا لا لحظيًا حين تنسحب واشنطن من منصات مثل مناخ الأمم المتحدة، أو هيئات وملفات اجتماعية وحقوقية وتنموية، فهى لا تُسقط العالم، لكنها تترك مساحاتٍ تُملأ؛ والمساحة التى تُملأ لا تعود إليك بسهولة، لأن النفوذ فى المؤسسات يتراكم ببطء ويُستعاد ببطء، بينما الانسحاب قرارٌ سريع.

قد يبدو الانسحاب، فى المنطق الترامبي، خطوةً تعيد «حرية الحركة» وتخفض الكلفة وتكسر ما يعتبره انحيازًا أو «أجندات» مفروضة على واشنطن وهذا صحيح جزئيًا: أنت حين تخرج من مؤسسة تتخلص من بعض الإلزام، وتتحرر من بعض الرقابة المعنوية، وتستعيد القدرة على القول: لا أعترف بهذه القاعدة لكن ما لا يقوله هذا المنطق صراحة هو أنه يستبدل «القيادة عبر القواعد» بـ «النفوذ عبر الصدمة» والصدمة قد تمنحك مكاسب تفاوضية سريعة، لكنها فى الوقت نفسه ترفع ثمنك السياسى لدى الحلفاء قبل الخصوم: الحليف الذى اعتاد أن يراك ضامنًا للنظام سيبدأ، ولو بصمت، فى بناء خطط بديلة ضد تقلبك، لا ضد قوتك.

وهنا تلتقى خطوة الانسحاب مع المزاج العام لتصريحات ترامب فى ملفات تبدو بعيدة لكنها تحمل المنطق نفسه: إعادة تعريف «الممكن» بالقوة، لا بالمعيار حين تقول الإدارة إن استخدام الجيش «دائمًا خيار» فى مسألة مثل الاستحواذ على جرينلاند، فهى لا تفتح أزمةً مع الدنمارك فقط، بل تُدخل حلف الأطلسى كله فى ارتباكٍ أخلاقى وسياسي: ماذا يعنى أن تُلوّح دولةٌ قائدة للتحالف بإمكانية استخدام القوة ضد شريكٍ داخل المنظومة؟

وبالصيغة نفسها، حين تُقذف عباراتٌ عن «عمليات عسكرية» أو تهديداتٍ قاسية تجاه كولومبيا، ومعها حديث عن كوبا بصيغة انهيارٍ وشيك، فإن الرسالة التى تصل إلى أمريكا اللاتينية ليست فقط «ضغط سياسي»، بل توسيع غير منضبط لمجال التهديد، بما يخلق قابلية للاحتكاك والتصعيد، وبما يدفع دولًا كانت تُدار علاقتها بواشنطن عبر نفوذٍ تقليدى طويل إلى إعادة حساباتها: هل العلاقة شراكة أم تبعية؟ وهل الخلاف يُدار بالدبلوماسية أم يُدار بالإهانة والتهديد؟


السؤال إذن: هل هذا يخلق نفوذًا عالميًا؟ نعم، لكنه نفوذٌ من نوعٍ واحد: نفوذ التخويف والابتزاز السريع أما النفوذ الذى يصنع الهيمنة طويلة المدى فهو نفوذٌ مختلف: نفوذ القدرة على جمع الحلفاء، وصناعة التوافقات، وتمرير القواعد التى تخدم مصالحك من دون أن تضطر كل مرة إلى التهديد بالقوة، الانسحاب من عشرات المنظمات، مقرونًا بخطابٍ يصعّد احتمالات الصدام، يضع أمريكا على طريقٍ قد يمنحها مكاسب موضعية، لكنه يخصم من رصيدها كـ «مركز نظام.

ومن هنا تبدو فكرة «النظام العالمى متعدد الأقطاب» أقل رومانسية ،حين تترك واشنطن مقاعدها وأموالها ومساراتها داخل منظومات دولية، فإنها تقلل قدرتها على كتابة قواعد الملفات ببطء: المناخ، التنمية، حقوق الإنسان، الهجرة، المعايير وهى الملفات التى تصنع نفوذًا غير مرئى لكنه حاسم، الفراغ هنا لا يعنى أن الصين أو غيرها سيحل مكان أمريكا بالكامل غدًا، لكنه يعنى أن «القدرة على تشكيل القواعد» ستتوزع أكثر، وأن العالم سيصبح أقل قابلية لأن يُدار بقطبٍ واحد، وأكثر قابلية لأن يُدار بتكتلاتٍ وممراتٍ ومساومات متعددة.

أما عن احتمال المواجهات العسكرية، فالمسألة أخطر مما تبدو؛ لأن المؤسسات مهما بدت بطيئة كانت تعمل كصمامات أمان: تشترى الوقت، وتمنح قنوات للتراجع، وتخفف لحظة الانفعال حين تُستبدل هذه الصمامات بمنطق الصفقة والتهديد، تصبح الأزمات أسرع، وتصبح كرامة الدول جزءًا من المعادلة لا مصالحها فقط، ويصبح التراجع أصعب لأن الخطاب سبق القرار وقيّده وفى عالمٍ تتزايد فيه نقاط الاحتكاك من القطب الشمالى إلى أمريكا اللاتينية، فإن كل خطوةٍ تُضعف القنوات المؤسسية وتُعلى منطق الصدام ترفع احتمال «انزلاق غير مقصود»: أزمة صغيرة تتضخم لأن أحدًا لا يريد أن يبدو ضعيفًا.

فى بداية عامٍ جديد، يبدو أننا أمام أمريكا تحاول أن تثبت نفوذها بإزالة القيود لا ببناء الإجماع، وبالضغط لا بالشراكة، وبإرباك الخصوم والحلفاء معًا قد يحقق ذلك انتصارات تفاوضية عاجلة، لكنه يضعف الفكرة التى قامت عليها الهيمنة الأمريكية أصلًا: إن واشنطن ليست فقط الأقوى، بل «المرجعية» وعندما تتآكل المرجعية، لا تختفى القوة، لكنها تصبح قوةً مكلفة، أقل قدرة على ضبط النظام، وأكثر قابلية لاستدعاء نظامٍ عالمى جديد لا يقوده أحد بالكامل، لأن القائد قرر أن يقف خارج القاعة ثم يشتكى من شكل الاجتماع.