ليست الثمانون عامًا مقياسًا لعمر الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، بل هى نهر عطاءٍ متدفق لرجلٍ خرج إلى الحياة من أرضٍ طيبة، مدينة القُرنة بصعيد مصر، تلك الأرض التى عُرفت بحب السلام، وصناعة الخير، وإصلاح ذات البين. وفى ساحة آل الطيب، التى لم تكن مجرد مكان بل منهجًا إنسانيًا مفتوحًا لكل مظلوم وفقير ومتخاصم، تشكَّلت ملامح هذه القامة العالمية.
نشأ الإمام الأكبر فى بيئة تعلَّمت أن العدل عبادة، وأن الإصلاح رسالة، وأن حقن الدماء مقدَّم على كل اعتبار، فكان خروجه من هذه الأرض أمرًا طبيعيًا؛ إذ لا يخرج النبت الطيب إلا من تربة طيبة. ومن القُرنة انتقل إلى الأزهر الشريف، فوجد فيه بوصلته العلمية والروحية، وتشكلت شخصيته على التراث الأزهرى الرصين، منفتحًا على العصر دون تفريط فى الثوابت.
لم تقتصر قيادة الإمام الطيب على إنجازات داخل الأزهر، بل امتد دوره عالميًا، لا بصفته صاحب منصب، بل حكيمًا يحمل همَّ الإنسانية، ويبحث عن السلام وسط ركام الحروب وضجيج الكراهية. ولم يكن المقام مقام تعداد إنجازات أو مواقف مشهودة فى نصرة الفقراء، والدفاع عن حقوق المرأة، أو مواقفه الثابتة من قضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين، فذلك كله محفوظ فى ذاكرة الوطن والعالم.
إنما الحديث عن رجلٍ نادر المثال؛ تتقدم حكمته صوته، وتسبق إنسانيته موقعه، ويُعلِّم أن القيادة فى الاتزان لا الصخب، وأن القوة فى الثبات على الحق لا القسوة. تعلمتُ من الإمام الأكبر أن العالم الحق لا يُخاصم عصره ولا يذوب فيه، بل يهذبه، وأن الحوار أسمى وسائل الدفاع عن الثوابت، وأن الصمت الحكيم أبلغ من الخطب.
وقد مضى الإمام الطيب فى درب السلام الإنسانى، موقِّعًا وثيقة الأخوة الإنسانية مع بابا الفاتيكان، ومؤسسًا «بيت العائلة» لترسيخ الوحدة الوطنية، ومعيدًا جسور الحوار بين الشرق والغرب. واليوم، وهو يبلغ الثمانين، تبقى رسالته ممتدة، ويبقى الأزهر به منارة سلام وضمير أمة.
حفظ الله الإمام الأكبر، وأدام نفعه، وجعل عطاءه فى ميزان الخير للبشرية جمعاء.

أزمة مضيق هرمز تكشف عجز المجتمع الدولى
واقع جديد
الـ AI ينافس شاكيرا عالميا







