تباين عالمى.. الشرق الأوسط يتربع.. والطيران الإفريقى يعانى
نداء للحكومات: التحول الرقمى بات ضرورة حتمية
فى قلب جنيف، حيث تُحاك قرارات صناعة الطيران العالمي، أطلق ويلى والش، رئيس الاتحاد الدولى للنقل الجوى «إياتا»، صفارة الإنذار مع صافرة أمل. فى حوار استثنائى وحصرى لـ «الأخبار» داخل المقر العالمى للاتحاد، كشف القناع عن مفارقة مُذهلة: صناعة تحقق أرباحاً قياسية تصل إلى 41 مليار دولار، بينما لا تزال عاجزة عن تحقيق عائد يليق بقيمتها الحقيقية! لكن المفاجأة الأكبر كانت فى تشخيصه الجريء لأكبر معضلتين: إفريقيا الحبيسة بفرصها الهائلة وسياساتها الخانقة، والشرق الأوسط المتألق الذى يتربع على عرش الربحية العالمية. لماذا تنجح سماء بعض المناطق وتزدهر، بينما تعانى سماء قارة كاملة وتتعثر؟! وما السر وراء نجاح النموذج الإفريقى الواعد فى أحد أكبر اقتصادات القارة؟
اقرأ أيضًا| العرجاوي: الغرفة التجارية بالإسكندرية تبحث مع الجمارك و"إم تي إس" ميكنة التصدير
بدايةً، كيف تقيّم بيئة الطيران فى إفريقيا، ولماذا تبدو متشائماً رغم الفرص الهائلة؟
التقييم يستند إلى واقع مؤلم برغم وجود أسواق جيدة مثل: مصر وغيرها من بعض الدول إلا أننا نحن نؤمن بأن الفرصة فى إفريقيا ضخمة، لكن طبيعة السوق نفسها هى التى تخنق هذه الفرصة. إنها سوق شديدة التجزئة، تكبلها الضرائب المرتفعة وتكاليف التشغيل الباهظة. هذه العوامل مجتمعة تؤدى إلى مستويات منخفضة بكثير من الربحية لشركات الطيران. النتيجة الحتمية هى حلقة مُفرغة: الشركات غير المُربحة لا تستطيع الاستثمار فى طائرات جديدة، وتُجبر على تشغيل طائرات أقدم وأقل كفاءة فى استهلاك الوقود، مما يرفع التكاليف أكثر فأكثر. من المؤسف حقاً أننا لا نرى أى تحركٍ جاد نحو تحرير السوق، وهو التحرك الذى كان يمكن أن يسهّل نموًا كبيرًا ويمكنّ سوق الطيران الإفريقى من إطلاق الإمكانات الهائلة التى نعتقد أنها موجودة هناك.
ما هو الحل العملى لكسر هذه الحلقة المُفرغة، برأيك؟
الحل موجود وواضح، ويتطلب إرادة سياسية. السماء الموحدة لإفريقيا ليست شعاراً، بل هى خارطة طريق للنجاح. إذا تحركنا نحو هذا الهدف، أعتقد أنه سيسهّل نموًا أكبر بكثير، واستثماراتٍ أكبر، وربحية أفضل لصناعة الطيران الإفريقية، كما سيقدم مستوى أفضل من الربط الجوى للمستهلكين فى المنطقة. المشكلة اليوم أن الربط الجوى داخل القارة ضعيف بشكل لا يُطاق. لا يزال من المؤسف أنه فى كثير من الحالات يضطر الناس إلى مغادرة القارة الإفريقية نفسها من أجل السفر إلى أجزاء أخرى داخلها، لأن الاعتماد على مراكز الربط فى الشرق الأوسط هو فى كثير من الأحيان الطريقة الوحيدة للحصول على الربط داخل القارة. هذا أمر غير صحيح برأيي. أعتقد أن هناك فرصاً عظيمة لإفريقيا، ولكننا ما زلنا نواجه صعوبة فى إقناع الحكومات أن الأمر فى يدها وأنها قادرة فعلاً على تسهيل توسع أكبر بكثير.
اقرأ أيضًا| انتعاش ملحوظ بالسوق المصري العوضي: دول التعاون الخليجي حققت قفزة .. واحتجاز الأموال أهم التحديات
بعد هذا التشخيص القاسى لإفريقيا، هل ما زلت متفائلاً بمستقبل القطاع فيها؟
نعم، ما زلتُ متفائلاً. لكن تفاؤلى مشروط باستمرار الضغط وتسليط الضوء على الفرصة الضائعة. إذا استمررنا فى ذلك، فسوف نرى تغييرًا. وفى مرحلة ما فى المستقبل، سنرى صناعة الطيران الإفريقية تلعب دورًا أكبر بكثير فى اقتصاد الطيران العالمي. التغيير يبدأ بالاعتراف بالمشكلة.
لننتقل إلى الخريطة العالمية. ما موقع الشرق الأوسط فى خريطة الربحية العالمية للطيران لعام 2026، وكيف تُقارن بإفريقيا؟
المقارنة تُظهِر مفارقة صارخة. الشرق الأوسط يحافظ على صدارته العالمية بهامش ربح صافٍ ثابت عند 9.3%، وهو الأعلى فى العالم. هذا الأداء هو ثمرة بيئة تنظيمية داعمة وموقع جيو استراتيجى فريد واستثمار استباقى فى البنية التحتية. بينما إفريقيا، رغم إمكاناتها الديموغرافية الهائلة، تكافح عند هامش 1.0% فقط. الفارق لا يعكس نقصاً فى الفرص، بل يعكس فجوة فى السياسات والتنفيذ.
مع هذه الصدارة الإقليمية للشرق الأوسط، كيف تقيّم الأوضاع المالية العالمية للقطاع بشكل عام، خاصة فى ظل توقع أرباح صافية قياسية تبلغ 41 مليار دولار؟
يجب أن ننظر إلى ما وراء الرقم الإجمالى الكبير. نعم، 41 مليار دولار رقم قياسي، لكنه يخفى حقائق مُقلقة. هامش الربح الصافى راكد عند 3.9%، وهو هامش هش. الأكثر إثارة للقلق هو مقياس الربحية الأساسي: العائد على رأس المال المُستثمر متوقع عند 6.8%، وهو أقل من متوسط تكلفة رأس المال البالغ 8.2%. هذه الفجوة تعنى أن القطاع ككل لا يولد عائداً كافياً لتمويل التحول الضخم المطلوب نحو الحياد الكربونى بشكل مستقل. نحن ننقل 5.2 مليار مسافر، لكن الربحية الهيكلية لا تزال بعيدة المنال.
فى مواجهة هذه الضغوط، كيف استجاب قطاع الشحن الجوى لضعف التجارة العالمية؟
قصة الشحن الجوى هى قصة المرونة الخلاقة. لقد تحول إلى أداة تكيّف استراتيجية. النمو يأتى من انفجار التجارة الإلكترونية والطلب الهائل على شحنات أشباه الموصلات للذكاء الاصطناعي. رغم نمو الأحجام بنسبة 2.4% فقط، إلا أن العوائد ستبقى أعلى بنسبة 30% مما قبل الجائحة، مما يدل على أن العالم يدفع علاوة مقابل السرعة واليقين.
حديثنا انتقل من التحديات المالية والإقليمية إلى تحدٍ تقنى كبير. البيانات تشير إلى 1.11 مليون حادثة سفر غير نظامى العام الماضي، بتكلفة تصل إلى 25 ألف دولار للحادثة الواحدة. فى ظل هذه التكاليف الباهظة، كيف ترون الحل الرقمي، وهل مشروع «One ID» هو الطريق العملى؟
الأرقام التى ذكرتها هى جرس إنذار لا يمكن تجاهله. كل حادثة سفر غير نظامى هى فشل للنظام ككل، وليست فشلاً للمسافر فقط. تكلفة الـ 25 ألف دولار ليست مبالغة؛ فهى تشمل: إعادة توجيه الطائرة، والإقامة، والمخالفات، والتعقيدات القانونية عبر حدود دولية. الحل الرقمى لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة اقتصادية للبقاء. مشروع «One ID» ليس مجرد فكرة نظرية؛ إنه إعادة هندسة كاملة لسلسلة السفر. الفكرة بسيطة: لماذا ننتظر حتى يصل المسافر إلى بوابة الصعود لنكتشف أنه غير مُؤهل للسفر؟ يجب أن يتم التحقق من «أهلية السفر» أو «الصلاحية للسفر» (Admissibility) قبل أيام أو ساعاتٍ من الوصول إلى المطار، عبر تبادل بيانات آمن بين حكومات البلد الأصلى وبلد المقصد وشركة الطيران. هذا سيوفر ملايين الدولارات ويحول السفر من مواجهة مليئة بالشكوك إلى تجربة مضمونة ومُؤكدة مُسبقاً.
يثير هذا النموذج مخاوف جدية حول الخصوصية والأمن. كيف تطمئن المسافرين والحكومات أن بياناتهم الحيوية ستكون آمنة فى هذا التبادل العالمي؟
هذا السؤال فى صلب نجاح أى تحول رقمي. المبدأ الذى نتبناه هو اللامركزية والحد الأدنى من مشاركة البيانات. لن تكون هناك قاعدة بيانات مركزية واحدة تحتوى على معلومات جميع مسافرى العالم. بدلاً من ذلك، ستبقى البيانات تحت سيطرة المسافر والحكومة المصدرة. تقنية بيانات الاعتماد القابلة للتحقق تسمح للمسافر بإثبات أنه حاصل على تأشيرة سارية من دولة ما، دون الكشف عن رقم جواز سفره أو معلوماته الشخصية الكاملة للطرف الثالث. يمكنه إثبات أنه «مُؤهل» دون الكشف عن «كل شيء». بالنسبة للحكومات، فإن النظام سيكون أكثر أماناً من الوضع الحالي، لأن الهوية الرقمية الحيوية يصعب تزويرها، وسُيسمح بتبادل الإنذارات الأمنية بشكل أسرع وأكثر دقة. الثقة تُبنى بالشفافية والتدرج، ولهذا نعمل مع «الإيكاو» والمنظمات الأمنية العالمية لوضع الأطر القانونية والتقنية التى تحمى السيادة الوطنية وخصوصية الفرد فى آنٍ واحد.
أخيراً، كرسالة أخيرة: ما الذى تطلبونه من الحكومات للمساهمة فى هذا التحول؟
نطلب منها النظر إلى هذا التحول ليس كمشروع تقنى مُعقد، بل كـ «مصلحة اقتصادية وطنية واستراتيجية». الدول التى ستتبنى هذه المنصات الرقمية وتسهل تبادل البيانات الآمن ستجذب استثماراتٍ أكبر فى السياحة والتجارة، لأن السفر إليها سيصبح أسهل وأكثر أماناً وأقل تكلفة. نطلب منها: البدء الآن بتبنى معايير «الإيكاو» للهوية الرقمية ، والمشاركة فى التجارب العملية لمشاريع «One ID» على مستوى المطارات ، ومراجعة التشريعات لتمكين الاعتراف بالتوقيعات والهويات الرقمية.
الطيران هو شريان الاقتصاد الحديث، وجعله رقمياً هو كيفية ضخ دماء جديدة فى هذا الشريان لتحقيق النمو الذى نتحدث عنه دائماً. المستقبل رقمي، والمستعدون له اليوم هم من سيقودون غداً.

كوفيد-19 فيروس طبيعى.. والصحة العالمية لم تتأخر فى إعلانه جائحة
لعبة «التحميل» فى العقارات تُهدر الملايين.. والمشترى أكبر الخاسرين
حكايات الفخار| أسرار صناعة الطين عبر آلاف السنين





