أياد لا تعرف الماكينة.. الخيامية حكاية حرفة عمرها قرون| فيديو

الخيامية
الخيامية


في زوايا شارع الخيامية العتيق بالقاهرة، ينتقل الزمن من تفصيلة إلى أخرى، حيث لا تعرف الماكينة طريقها، وكل قطعة تحكي قصة صبر ومهارة، وألوان تتراقص على القماش وكأنها تنبض بالحياة، حرفة الخيامية التي ربطت بين الماضي والحاضر، بين الاحتفالات الشعبية وكسوة الكعبة، ثم وجدت طريقها لاحقًا إلى بيوت المصريين ومتاحف العالم، لا تزال حية بفضل أياد قليلة رفضت الاستسلام للحداثة، هؤلاء الحرفيون لا يصنعون مجرد زخارف، بل يحافظون على روح أجدادهم في كل خيط.

ورغم ما يواجهه هذا الفن من تراجع أمام الإنتاج الآلي، لا تزال أياد قليلة متمسكة به، ترى في كل غرزة تاريخًا لا يقدر بثمن،  من هذا المنطلق، انتقلت محررة «بوابة أخبار اليوم» إلى قلب منطقة الخيامية، حيث تتوزع الورش القديمة والبيوت التراثية، لتتحدث مباشرة مع صانعي الشغل اليدوي وتوثق حكاياتهم، بين صبر وإتقان وحب للحرفة التي تربط الماضي بالحاضر.

هاني عبدالقادر.. حارس الخيامية اليدوية

في قلب شارع الخيامية، أحد أقدم شوارع القاهرة التاريخية، يجلس هاني عبدالقادر، 52 عامًا، أمام القماش والخيط، مستكملا مسيرة امتدت لأكثر من 45 عامًا في فن ورثه عن أجداده، وأكد هاني أن ما يقدمه هو عمل يدوي خالص، لا يعرف طريق الماكينات، ويقول: «اللي بعمله ده اسمه فن الخيامية، فن مصري أصيل، للأسف بقى مهدد بالاندثار، لكن لسه فيه ناس بتقدر قيمته».

 

 

أوضح هاني أن الإقبال الأكبر على الخيامية يأتي من الأجانب والعرب، نظرًا لوعيهم بفنون مثل الـPatchwork والـQuilting، بينما لا يزال الاهتمام المحلي محدودا، مؤكدًا على أن الأجانب لما يعرفوا إن الشغل ده يدوي 100% بيتبهروا، لأن عندهم أغلب الشغل ماكينات، إنما هنا كل غرزة ليها روح».

اقرأ أيضا| مدبولي يتجول بمنطقة "الخيامية" ويؤكد: معرض للحرف التراثية بحديقة الفسطاط

لم يتوقف مشواره داخل مصر، بل شارك في معارض دولية بالولايات المتحدة وفرنسا، ومن أبرز أعماله قطعة فنية ضخمة بعنوان "الثورة المصرية"، عبر من خلالها عن ثورة 2011 باستخدام الإبرة والخيط فقط، ويعرض في متحف فيكتوريا بلندن وتحمل اسمه.

 

 

وعن آلية العمل، يوضح أن كل قطعة لها زمنها الخاص، فبعضها ينجز في أيام، وأخرى تستغرق شهورًا أو حتى عاما كاملا، مع الاعتماد الكامل على خامات مصرية.

 

وينتمي هاني لعائلة عريقة في المهنة، فجده محمود المكاوي كان من رواد الخيامية وشارك في زخرفة كسوة الكعبة والمحمل الذي كان يخرج من باب زويلة.

سامح.. 30 عامًا من الإتقان والصبر

على مقربة من باب زويلة، يروي سامح حكايته مع الخيامية بعد نحو ثلاثين عامًا قضاها داخل الورش، متعلما أدق تفاصيل الصناعة منذ صغره، ويؤكد أن حب المهنة هو سر الاستمرار فيها، قائلًا: «اللي مش هيحب الشغلانة دي، مش هيعرف يكمل، لأنها محتاجة تركيز وهدوء وصبر».

لا تقتصر خبرة سامح على الخيامية فقط، بل تمتد إلى الجلد والصدف والزخارف العربية والرومية، حيث تصنع كل قطعة بعناية فائقة، ورغم تغير الزمن، يرى أن الطلب على هذه الحرفة لا يزال قائمًا، خاصة من الأجانب، بينما ينجذب بعض المصريين للأسعار الأقل أو المنتجات المقلدة.

 

ويشير سامح إلى أن البيئة المحيطة لعبت دور كبير في تعلمه، إذ كانت المنطقة مليئة بالحرفيين، ما أتاح له صقل مهاراته مبكرًا، ومع ذلك يلفت إلى عزوف كثير من الشباب عن المهنة حاليًا، مقابل قلة متمسكة بها بدافع الشغف.

وأضاف أن الإقبال على تعلم المهنة أصبح محدودًا للغاية، مؤكدًا أن الجيل الجديد لا يقبل على هذا النوع من العمل قائلًا: «مفيش شاب دلوقتي هيقعد نفس القعدة دي ويشتغل زي ما أنا بشتغل، المهنة دي اشتغلتها عن حب، وده اللي مخليني مكمل لحد دلوقتي».

وتابع أن العزوف لا يقتصر على الشباب فقط، بل يشمل الفتيات أيضًا، موضحًا: «حتى البنات، مفيش بنت بتيجي تقول علموني شغل الهاند ميد، الكل عايز الشغل السريع، لكن الشغل ده محتاج صبر ونفس طويل».

 

وعن الأسعار، يوضح أن قيمتها تختلف حسب الجودة والتفاصيل، إذ تبدأ بعض القطع من 200 جنيه وقد تتجاوز الألف جنيه، مؤكدًا: «شغلنا كله مصري من الخيط لآخر غرزة، ومحدش يقدر يقلده بسهولة».

وتابع أن أكثر وقت يكون الإقبال على شغل الهاند ميد في المعارض الموسمية، خاصة في الشتاء وشهر رمضان، ليكونوا نافذة أساسية لعرض هذه الأعمال، التي تحمل في كل قطعة روح التراث المصري وأيادي الحرفيين الذين ما زالوا يؤمنون بأن الخيامية ليست مهنة فحسب بل فن.