صوت المكان: الجغرافيا وآفاق المعرفة الإنسانية

 صوت المكان
صوت المكان


محمد عمر جنادى

ترجع أهمية كتاب «صوت المكان.. سيرًا على الأقدام فى جغرافية مصر»، الصادر عن دار الشروق للدكتور عاطف معتمد، إلى محاولته تقديم ما يسميه مؤلفه «جغرافيا شعبية»؛ أى «جغرافيا لكل الناس، تحاول فهم بلادنا.. أرضها وسكانها». ولا تعنى هذه المحاولة أن الكتاب يقدم تبسيطًا لعلم الجغرافيا، أو عرضًا لبعض المعلومات الطريفة عن الجغرافيا  المصرية. رغم السلاسة والوضوح، فإن الكتاب يتسم باتساع مداه، لا من حيث المدى الجغرافى وحده، إذ امتدت أسفار الكاتب من شمال مصر إلى أقصى جنوبها، وإنما من حيث اتساع المدى المعرفى أيضًا.  

من خلال رحلاته وتجواله ومشاهداته وحواراته مع السكان، تتجلى الكتابة عن الجغرافيا بوصفها مساحة التقاء بين العديد من المجالات المعرفية، بين التاريخ والأنثروبولوجيا والعمران والجيولوجيا. وكما يرتحل الكاتب بين الأمكنة، يرتحل كذلك فى جنبات الذاكرة الفردية والجماعية، لتصير الجغرافيا أيضًا مساحة التقاء بين الذاتى والعام، الفرد والجماعة وقد أعادت قراءة هذا الكتاب تشكيل علاقتى بأماكن ظننت طويلًا أننى أعرفها، وجعلتنى أرى الجغرافيا من منظور جديد.

الكتاب مقسم إلى عشرة فصول، ويحتوى على عدد من الخرائط والصور الفوتوغرافية. يستكشف «مُعتمد» وادى النيل والدلتا وأرض سيناء والصحراء الغربية، أسوان والنوبة، إضافة إلى عمران القاهرة والإسكندرية. 

يكشف الكتاب عن العلاقة الفريدة بين الجغرافيا والأدب. يفترض الناقدان دانيالز ورايكروفت أن الرواية مثلا، كشكل أدبى، تعتبر «جغرافية» فى صلب طبيعتها، حيث يوضحان فى عملهما النقدى Mapping the modern city  العلاقة بين النصين الأدبى والجغرافى، وأن عالم الرواية يتكون من أماكن وفضاءات متنوعة، وأنها تقدم أشكالا من المعرفة الجغرافية والإدراك الحسى بالمكان، ما يدعونا إلى عدم الفصل الصارم بين الجغرافيا والأدب بوصفهما نوعين مختلفين من المعرفة. 

وفى السياق ذاته، يُبرز «صوت المكان» «أدبية» الجغرافيا، حيث يقترح أن تكون الكتابة الجغرافية مصدرًا حقيقيا للإحساس بالمكان، وأنها قادرة مثل الأدب على إعادة التجربة البشرية إلى مركز اهتمامها.  

يستحضر معتمد مفهوم المتسكع أو الفلانير  flâneur عند حديثه عن التجربة الحضرية وعمران القاهرة. يقول فى بداية فصل «تسكع هادف»: «منذ تعرفت فى فرنسا عام 2010 على مصطلح flâneur، عدت لأطبق ذلك على مدينتى فتبينت لى فيها زوايا ومشاهد من خطى الأقدام». 

برز المتسكع كإحدى الشخصيات الرئيسية فى شعر بودلير وتصويره للحياة فى مدينة باريس. وفى دراساته عن بودلير، قدم فالتر بنيامين تبصراته النافذة حول سمات المتسكع البودليرى، وأهميته كمرجعية فى رصد علاقة الذاكرة الفردية بالمتروبول، والتأريخ للحياة المدينية.

يوظف عاطف معتمد مفهوم المتسكع فى فى بناء العلاقة بين الفرد والمدينة،  وخلق حالة دائمة من التنقيب فى ماضى الأماكن وتاريخها، ومحاولة تذكرها على ما كانت عليه قبل سياسات «التطوير/التحسين» العمرانية، أو ما يعرف اصطلاحًا باسم Gentrification. 

من مصر عتيقة، «فم الخليج» وتل العقارب وسور مجرى العيون، إلى «دار السلام» و»الفسطاط» و»وسط البلد»، ومن حلوان إلى الجيزة. 

فى الفصل المعنون «أسماء الأماكن»، لا يقدم عاطف معتمد تأويلاته فقط حول أصل التسمية للعديد من المناطق فى الصحراء الشرقية والبحر الأحمر، وإنما يكشف أيضا عن تاريخ من التحولات السياسية والاجتماعية التى توضحها تحريفات الأسماء. كإنها عملية كتابة مستمرة فوق كتابة سابقة. لنتكشف من خلال القراءة، تعدد روافد الهوية المصرية وتنوعها، الفرعونية والرومانية والقبطية والعربية، وكذلك نتتبع آثار فترات الاستعمار المختلفة، سواءً من خلال الوثائق والخرائط، أو تلك المتمثلة فى تخطيط الفضاءات وإقامة الأنصبة والتذكارات.  

 ما يجعل كتاب «صوت المكان» من أهم إصدارات الفترة الأخيرة، أنه يمثل انشغالا حقيقيا من مثقف مصرى معاصر بالشأن العام، متجاوزًا حدود إسهامه كأكاديمى متخصص فى مجاله المعرفى. أى أن صفة الأكاديمى ليست مجرد ممارسة ينعدم خلالها حس المواطنة، إذ هو يمارس عمله كأكاديمى بصفته مواطن، ويمارس مواطنته كأكاديمى، يعانى كما يعانى السواد الأعظم من الشعب. وتصير غاية الجغرافيا «إعادة التوزيع» ومحاولة تحقيق العدالة والمساواة. لذلك يتحدث فى فصل «الحق فى المكان» عن حق المواطن فى بحر الإسكندرية، وكافة سواحل البلاد، لأن «البحر جزء أساسى فى تكوين الوعى والخيال والعلاج النفسى والانتماء للمكان». 

 ويحذر من أن إغلاق النهر والبحر بأسوار للأثرياء لا ينتج أزمة اجتماعية واقتصادية فحسب، وإنما يقتل فكرة «اللانهاية»، ويكرس الإحساس بانعدام «الأفق»، متسائلًا: هل تحمل هذه الأسوار رسالة بأننا نعيش داخل سجن، أو على مقربة منه؟

يركز الكتاب على التوتر القائم دومًا بين الطبيعى والمصطنع. ويبين أن التضاريس الجغرافية مهما كانت قاسية، فإن السياسات العمرانية هى القاهرة حقا للإنسان، لأنها ترسخ للفقر والظلم الاجتماعى، وتقوض إحساس الانتماء للمكان.