شريف سعيد الفائز بجائزة نجيب محفوظ: أعمالى تستلهم التاريخ السرى

 الأديب شريف سعيد
الأديب شريف سعيد


أثناء كتابة روايته الأولى «أنا أحبك يا سليمة»، كان الأديب شريف سعيد قد اطلع على كتاب «لمحة عامة إلى مصر» لكلوت بك، تعرف على  الفرنسية «جوليا باركولي»، التى اشتهرت فى مصر بلقب «السنيورة»، وهى سيدة جاءت مع الحملة الفرنسية، برفقة زوجها الضابط الفرنسى «ديفو»، لكن الأقدارشاءت أن تؤسر فى المنصورة على يد شيخ العرب محمد أبو قورة، فتزوجته، ثم توفى، لتتزوج بعده شقيقه، الذى توفى أيضًا، وقد أنجبت من الشقيقين ثلاثة أبناء، وظلت مقيمة فى المنصورة، وعندما التقى بها «كلوت بك» أول مرة، حياها بالفرنسية، فانهارت باكية، لأنها تسمع لغة وطنها لأول مرة منذ عشرين عامًا.. شعر شريف أن «جوليا» حالة غرائبية لا تشبه غيرها من الأجانب الذين زاروا مصر فى القرن التاسع عشر، حاول أن يتجاهلها، لكنها كانت تنادىه بإلحاح، فبحث عنها فى كتب التاريخ مثل أعمال المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعى، واكتشف جوانب عديدة فى شخصيتها كإنسانة وامرأة وزوجة وأجنبية تعيش فى بلد ليس وطنها، سأل شريف نفسه؛ كيف تعاملت الأقدار مع هذه المرأة، ثم قرر أن يجعلها بطلة روايته «عسل السنيورة» -الحائزة على جائزة نجيب محفوظ التى يمنحها الأعلى للثقافة- حدثنا شريف عن روايته - الصادرة عن دار الشروق- فى السطور التالية: 

فى رواية «عسل السنيورة» هل نتابع كيف رأى الفرنسيون مصر أم كيف تأثرت الثقافة المصرية بالثقافة الفرنسية؟
لا ينشغل السرد بتقديم إجابة مباشرة عن سؤال: كيف رأى الفرنسيون مصر، أو إلى أى مدى تأثرت الثقافة المصرية بالثقافة الفرنسية. فبرغم أن جوليا أو السنيورة تمثل شخصية محورية، إلا أنها ليست الصوت الوحيد فى الرواية. ما أسعى إليه هو إعادة قراءة الوقائع والأحداث التاريخية من زاوية مغايرة لما اعتدنا عليه، وفتح مساحات واسعة للتساؤل لا لتقديم اليقين. الكاتب، فى هذا السياق، لا يدّعى امتلاك الإجابات، بل ينطلق من قلق معرفى وأسئلة مفتوحة، محمّلة بالشك أكثر من الاطمئنان. ومن ثم تحاول أحداث الرواية إعادة تأمل تلك الحقبة التاريخية عبر طرح أسئلة كبرى عن الوجود والحب والحياة، وتفكيك المسلّمات التاريخية من خلال عيون شخصياتها، لتصبح الرواية فعل تساؤل دائم لا سرد مغلقًا للوقائع.
ظهر نابليون فى الرواية، كيف حولت نابليون من شحصية تاريخية إلى شخصية روائية؟
لا أقدّم فى الرواية قراءة تاريخية تقليدية لشخصية نابليون، بل أتعامل معه بوصفه إنسانًا قبل أن يكون قائدًا أو رمزًا سياسيًا. فحين نتتبع سيرته الذاتية، وخصوصًا علاقته المعقدة بزوجته جوزفين، ومن خلال مذكراته، نكتشف شخصية متناقضة تجمع بين أقصى درجات الإنسانية وأقصى درجات القسوة، وهو تناقض لا يخص نابليون وحده، بل يميز كثيرًا من صُنّاع التاريخ. ما كان يشغلنى على نحو خاص هو علاقته بجوزفين؛ تلك المرأة التى لم تتوقف عن خيانته، بينما ظل هو يرفض تصديق ذلك. هذا الاضطراب العاطفي، فى تصوري، كان له أثر واضح فى قراراته العسكرية والسياسية. ومن هنا أميل إلى قراءة التاريخ عبر بوابته الإنسانية، من خلال لحظات الضعف والقوة لدى من صانعى.
يحضر مسجد السيدة زينب بقوة فى الرواية، ما سبب انجذابك إلى هذا العالم الروحى والشعبى؟
انجذابى إلى هذا العالم الروحى والشعبى ليس طارئًا أو مفتعلًا، فأنا فى الأساس ابن هذا المكان؛ نشأت بين بيت جدى وجدتى فى شارع الخرنفش بحى الجمالية، حيث كانت المقامات والأضرحة جزءًا أصيلًا من نسيج الحياة اليومية، قبل أى تكوين شخصى أو وعى لاحق داخل الرواية، لا يأتى حضور مسجد السيدة زينب بوصفه حالة انجذاب روحانى مجرد، بل باعتباره جزءًا من لحظة تاريخية فارقة، هى لحظة الحملة الفرنسية على مصر، حين لم يعد ما بعدها كما كان قبلها. إنها لحظة صدام بين عالمين: عالم يعيش فى أجواء الروحانيات والغيبيات، وعندما شعر بالخطر لجأ إلى قراءة صحيح البخارى طلبًا للحماية، كما يذكر الجبرتي، وعالم آخر وافد جاء بالعساكر والعلماء والفنانين. هذا التصادم بين عالمين مختلفين فى الرؤية والبنية هو ما حاولت التعبير عنه فى الرواية، دون انحياز قاطع. فالسؤال ظل مفتوحًا: أيهما كان على الحق، وأيهما على الباطل؟ أم أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم؟ الرواية، فى النهاية، لا تقدم إجابات جاهزة، بل تعيد قراءة الوقائع وتطرح أسئلتها، تاركة للقارئ حرية التأويل واتساع الخيال.
يذكر نابليون فى الرواية رغبته فى أن يجعل مصر «فرنسا الشرق»، فهل ترى أن مصر فى وقتنا الراهن أصبحت مرآة لفرنسا؟
أستحضر هنا مقولة الأديب الكبير محمد سلماوي: «فرنسا لم تغزُ مصر، بل مصر هى التى غزت فرنسا»، لطالما بدت لى هذه الجملة مدهشة، لكنها تكتسب معناها الكامل حين تزور فرنسا. هناك تشعر بحضور مصر طاغيًا، فى متحف اللوفر، فى أسماء بعض محطات مترو باريس مثل محطة «الأهرامات»، وفى مذكرات نابليون نفسه، تكشف مدى التأثير العميق الذى تركته مصر فى مخيلته حتى بعد انتهاء الحملة الفرنسي، وحين تزور قبره، تلاحظ أن معركة الأهرامات تُذكر بوصفها واحدة من أبرز محطات حياته، والحجر المستخدم فى صناعة قبره جُلب خامًا من مصر. وفى متحف العطور، تجد إشارات واضحة إلى جذور صناعة العطور عند المصريين القدماء. أما موسوعة وصف مصر، فهى تظل الأثر الأهم للحملة الفرنسية، والدليل الأكبر على إدراك الفرنسيين لقيمة هذا المشروع وإصرارهم على استكماله حتى بعد مغادرتهم مصر. لقد أثرت مصر فى فرنسا تأثيرًا بالغًا، تمامًا كما تركت فرنسا أثرًا عميقًا فى مصر. وربما كان أبرز ما خلفته تلك اللحظة التاريخية أننا، منذ الحملة الفرنسية وحتى اليوم، لم نتوقف عن طرح أسئلة الهوية: من نحن؟ وكأننا لم نفق بعد من صدمة قدوم الفرنسيين الأولى.
ذكرتَ فى الرواية أن «المحروسة لا تعترف بالأسرار»، هل تقصد أن مصر ممتلئة بالأسرار، أم أنها أكبر من أن تحتويها الأسرار؟
المجتمع المصرى مجتمع ثرى على نحو استثنائي، بتاريخ عريق لا ينفد، غير أن تاريخه غير الرسمى يظل الأكثر غنى وامتلاءً بالأسرار، فى أعمالى أحاول الاقتراب من تلك المناطق التى لم يُكشف عنها بعد، مما يمكن تسميته «التاريخ السري» لمصر، ذلك التاريخ الذى لا نعرفه فقط من الكتب الرسمية، بل من المذكرات الشخصية، والرسائل، والحكايات الهامشية. هذه المساحة هى ما يشغلنى حقًا، ومنها أستمد شغفى بالكتابة.