حسن عبد الموجود
حين طُلب منى الكتابة عن أجمل عمل قرأته فى 2025 اخترت بلا تردد رواية طلال فيصل «جنون مصرى قديم»، ففيها تظهر قدرات الكاتب الفذة فى اللعب بالتاريخ الجاف وتحويله إلى عجينة طيعة صنع منها عملاً فنياً له مذاق ورائحة.
لم يلجأ طلال إلى الماضى القريب كما فعل فى روايتيه «بليغ» و«سرور»، وإنما عاد إلى زمن المماليك، وابتكر حيلة فنية مكَّنته من كتابة ذلك الزمن بلغته ونبرته وطبقته وتفاصيله وروحه، فأستاذ تاريخ العصور الوسطى عثر بالصدفة على مذكرات مؤرخ يدعى جلال الساعى، عاش فى زمن الأشرف برسباى، وصار من خاصته، قبل أن يتغيَّر عليه خاطر السلطان ويودعه السجن، ثم يسمح له فى وقت لاحق – لحسن الحظ – بالكتابة فى زنزانته، ويقرر أستاذ التاريخ بعد أن يقرأ تلك الأوراق كتابة رواية عن خلطة الخوف والسلطان والجنون.
كان والد برسباى رجلاً قاسياً عديم المروءة، لا مشكلة لديه أن يأكل طعم ابنه ثم باعه لحداد مات فجأة فباعته زوجته ليهودى باعه بدوره لنخاس ثم وصل أخيراً إلى الأمير المملوكى بيبغا المظفرى. حاول ذاك الأمير أن يقنع الصبى بأن الخير وفير، وأنه لا داعى لسرقة الطعام وتخبئته، لكن برسباى كبر وصار سلطاناً ولم يفارقه خوف الطفولة لحظة واحدة، فظل يكنز المال من جيوب الناس ويجمع الذهب من «صيغة» نسائهن، لكننا طبعاً لا نصل إلى تلك المعرفة بشخصية السلطان إلا حين ننهى قراءة الرواية.
تبدأ الوقائع قبل ظهور برسباى بقليل، وتحديداً مع انتهاء حكم المؤيد شيخ، الذى مات مجنوناً.
ترسم أرملته خوند سعادات خطة لتوريث ابنها الرضيع سلطان أبيه، ونعيش أول مشهد عبثى حين يرضخ أمراء المماليك للمرأة شديدة التلهف للسلطة والمال ويقبلون بتولية الرضيع أمور الحكم، وكى يصبح الطقس مكتملاً وقانونياً يضعون العمامة فوق رأسه لكن أحدهم يضطر للإمساك بها دائماً فوق رأسه حتى لا تسقط على وجهه، وفى جو المؤامرات والدسائس لا يدوم الكرسى لصاحبه إلا أياماً، إذ يسرق ططر - الوصى على العرش - الحكم من الرضيع، وحماية له ولنفسها تتزوجه خوند سعادات وتتحمله فترة رغم كراهيتها له واشمئزازها منه وتدس له السم فيُنصَّب ابنه الأبله محمد بن ططر سلطاناً جديداً.
يظهر برسباى لأول مرة، حين تصبح الوصاية على العرش لثلاثة، جنبك الصوفى وطرباى وهو، ويوقع برسباى بين جنبك وكبار المماليك ثم يغتصب العرش لنفسه!
وصل برسباى إلى الحكم إذن بالخديعة والانتهازية، ولذلك يتلبسه الخوف من الناس حوله، فكل منهم مشروعُ متآمرٍ، وعليه ألا يثق بأحد، سوف يسجن الجميع، جنبك وطرباى وخوند، لكن جنبك يهرب بشكل ما من السجن ويتحالف مع ديار بكر، ويصبح صداعاً مزمناً فى رأس برسباى، فطالما أنه حر فلا ريب أنه سيخطط للانتقام منه وسيأتى إلى مصر ليسلبه العرش، وهكذا يطلق حملة كبرى لكن عسكره ينشغلون بمعارك جانبية ولا يكون أمامه إلا شراء رأس عدوه بالمال.
يستفحل الجنون إلى أقصى درجة، فقد امتص برسباى دماء الناس بالمكوث والضرائب، واشترى العسكرَ الأجلاب وأحاط نفسه بهم بعد أن فقد الثقة فى أقرب المقربين، فأشاعوا الذعر والفساد فى كل مكان، حتى أنهم كانوا يغيرون على البيوت ولا يفرقون بين فقير أو غنى، بسيط أو نبيل، موظف أو أمير، ثم يظهر رجل غريب يقنع برسباى بأن بإمكانه تحويل التراب إلى ذهب، ويصدقه برسباى، وينتهى الأمر بأكبر احتيال على سلطان فى التاريخ حيث سرق ذلك الغريب ذهب المصريين ويهرب به.
هذه الرواية لا تشبه الأعمال السردية التى تبدو كأنها تنقل من كتب التاريخ الجامدة، وإنما تقدمه وفق مفهوم الفن، تماماً كالغناء، حيث يمسك المغنى بطبقة ولا يحيد عنها صعوداً أو نزولاً إلا بفهم ومعلمة.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







