كان رحيله مفاجئاً، صحيح أنه كان مريضاً ويُعالج من مرضه ونُتابع أخبار علاجه، لكن رغم هذا جاء الرحيل مفاجئاً لنا جميعاً، فهو مخرج سينمائى صاحب مشروع كبير جداً، وكعادتنا - دائماً وأبداً - نكتشف مثل هؤلاء المبدعين الكبار الذين أثروا ثقافتنا بعددٍ كبيرٍ من الأفلام الجيدة والممتازة بعد أن يكونوا قد غادروا الدنيا.
فرحل عن عالمنا داوود عبد السيد «23 نوفمبر 1946 - 27 ديسمبر 2025، وهو مخرج وكاتب سيناريو، يُعد أحد أهم رواد موجة الواقعية الجديدة فى السينما المصرية، إلى جانب محمد خان وخيرى بشارة. لُقِّب بفيلسوف السينما المصرية نظراً للعمق الفكرى والتأملى الذى طغى على أعماله.
قدم عبد السيد خلال مسيرته الممتدة لأربعة عقود تسعة أفلام روائية طويلة فقط، كتب سيناريو معظمها بنفسه مُفضِّلاً الجودة الفنية والتعبير «عن سينما المؤلف» على الغزارة الإنتاجية، تُوِّجت مسيرته بحصوله على جائزة النيل فى الفنون عام 2022، وهى أرفع وسام تمنحه الدولة المصرية للمبدعين.
وُلِدَ فى القاهرة لأسرة قبطية من الطبقة المتوسطة. لم يكن طموحه الأولى العمل بالسينما، بل كان يرغب فى العمل بالصحافة بدافع الفضول الاجتماعى ورغبته فى مراقبة الناس وتحليل ظروفهم. جاء تحوله للسينما بمحض الصدفة بعد زيارة لاستديوهات التصوير، وتأكد شغفه بعد مشاهدته لفيلم: أورفيوس الأسود للمخرج: مارسيل كامو، حيث أدرك إمكانية دمج الواقعية بالشعرية.
التحق بالمعهد العالى للسينما وتخرج 1967، وهو ما جعله جزءاً من جيل الهزيمة الذى تأثرت رؤيته الفنية بشدة بنكسة 1967، مما دفعهم للتمرد على السينما الرومانسية التقليدية والبحث عن لغة سينمائية جديدة تكشف شقوق المجتمع.
بدأ حياته المهنية مساعداً للمخرج فى أفلام مهمة مثل: الأرض مع يوسف شاهين، والرجل الذى فقد ظله مع كمال الشيخ، إلا أنه سرعان ما أدرك أن مهنة المساعد لا تناسب تكوينه النفسى الذى يميل للعُزلة والتأمل، فقرر الاتجاه للإخراج المستقل.
قبل انطلاقه فى الأفلام الروائية، صنع عبد السيد عدداً من الأفلام التسجيلية التى اعتبرها مختبراً لأسلوبه الواقعي، منها: وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم 1976، والعمل فى الحقل 1979، أكسبته هذه المرحلة خبرة التصوير فى مواقع حقيقية والتعامل مع الممثلين.
يُصنَّف النُقَّاد داوود عبد السيد كأحد أعمدة الواقعية الجديدة، لكن واقعيته تميزت باختلافها عن واقعية عاطف الطيب الصادمة، إذ وصف النُقاد سينما داوود بأنها تستخدم الواقع كمتاهة لطرح أسئلة وجودية وفلسفية.
بدأ داوود عبد السيد بفيلم: الصعاليك 1985، الذى رصد التحولات الطبقية الشرسة فى مصر بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي، وقدم أهم أعماله وعلى رأسها: الكيت كات 1991، الذى يُصنَّف ضمن أهم كلاسيكيات السينما العربية، وفيلم: أرض الخوف 1999، الذى اعتبره النُقَّاد أيقونة فلسفية تُناقش العلاقة بين الإنسان والسُلطة المطلقة أو الإلهية.
تنبأ فيلمه: مواطن ومُخبر وحرامى عام 2001 بانهيار العِقد الاجتماعى فى مصر، ثم عاد بعد غياب طويل بفيلم: رسائل البحر عام 2010 الذى رثى فيه مدينة الإسكندرية الكوزموبوليتانية. وفى يناير 2022 أعلن داوود عبد السيد اعتزاله العمل السينمائى نهائياً، وبرَّر قراره فى مقابلة تليفزيونية أثارت جدلاً واسعاً بقوله: هذا الجو غير صالح لصناعة السينما، هو صالح فقط لتربية الدواجن.
انتقد داوود عبد السيد سيطرة ما سماه السينما التجارية الاستهلاكية وتضييق الخناق الرقابي، مُشيراً إلى أن الجمهور القديم الذى كان يتوجه للسينما قد استُبدِل بجمهور المراكز التجارية (المولات) الذى يبحث عن التسلية فقط.
من أعمال داوود عبد السيد: الصعاليك، البحث عن سيد مرزوق، الكيت كات، أرض الأحلام، سارق الفرح، أرض الخوف، مواطن ومخبر وحرامي، رسائل البحر، قدرات غير عادية. ومن الأفلام التسجيلية: وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم 1976، العمل فى الحقل 1979، عن الناس والفنانين 1980.
وقد توفى داوود عبد السيد يوم السبت 27 ديسمبر الماضى عن عمر ناهز 79 عاماً، بعد معاناة استمرت عامين مع الفشل الكلوي، وقد نعته نقابة المهن السينمائية ووزارة الثقافة واصفة إياه بالمخرج الذى حول الشاشة إلى مساحة للتفكير.
وقد قرر سيد فؤاد رئيس مهرجان الأقصر السينمائى الدولى عمل جائزة دائمة باسم داوود عبد السيد تقديراً له ولأعماله الخالدة.. يرحمه الله رحمة واسعة.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







