قضية ورأى

الرأي العام الرقمي

د. محمد شومان
د. محمد شومان


هل يختلف عن الرأى العام التقليدى وكيف نقيسه؟، وهل يساعد فى ترشيد القرار أم أنه وهم.. تصنعه الخوارزميات؟ 
 

فى عصر تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمى، لم تعد منصات التواصل الاجتماعى مجرد أدوات للتواصل الشخصى، بل تحولت إلى ساحات عامة افتراضية يتشكل فيها ما يعرف بـ «الرأى العام الرقمى»، الذى بات يشغل اهتمام الباحثين وصناع القرار والإعلاميين على حد سواء، لأنه قد يساعد فى ترشيد القرار ودعم الديمقراطية.

وباختصار، يمثل الرأى العام الرقمى مجموع الآراء والاتجاهات والمواقف التى يعبر عنها المستخدمون عبر الفضاء الرقمى، سواء من خلال منصات التواصل الاجتماعى مثل تيك توك وإكس (تويتر سابقًا) وفيسبوك وإنستجرام، أو عبر المنتديات الإليكترونية والمدونات ومواقع التعليقات، إنه صوت الجمهور المتصل، الذى يتفاعل بشكل آنى ومستمر مع القضايا المحلية والعالمية، لكن هذا الصوت يتشكل ويتأثر كثيراً بالتدخل غير المرئى للخوارزميات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى والجيوش الإليكترونية البشرية والآلية.يتميز الرأى العام الرقمى بقدرته على التشكل والانتشار بسرعة فائقة، حيث يمكن لقضية ما أن تتحول إلى ظاهرة رقمية فى غضون ساعات، بل دقائق أحياناً، من خلال الوسوم (الهاشتاجات) والمشاركات وإعادة النشر، ولا يعرف هذا الرأى العام حدوداً جغرافية، ولا يقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية محددة، بل يشمل ملايين المستخدمين من مختلف أنحاء العالم.

وتوجد خلافات عميقة بين الرأى العام الرقمى والتقليدى، فالأخير كان يتشكل بوتيرة أبطأ، من خلال وسائل الإعلام التقليدية والنقاشات المباشرة واللقاءات العامة، كما أنه أكثر ثباتاً واستقراراً، ويتطلب وقتاً أطول لتغييره، بينما يتميز الرأى العام الرقمى بالفورية والسرعة الهائلة فى الانتشار والتفاعل، كما يجد الكثيرون حرية أكبر فى التعبير عن آرائهم، خاصة مع إمكانية الحفاظ على عدم الكشف عن الهوية. 

وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية، يشترك الرأى العام الرقمى والتقليدى فى عدة جوانب أساسية، فكل منهما يعكس اتجاهات الجمهور ومواقفهم تجاه القضايا المختلفة، ويؤثر كل منهما على عملية صنع القرار السياسى والاجتماعى، كما أن كلاً منهما يتشكل من خلال عوامل متعددة تشمل التعليم، والثقافة، والتجارب الشخصية، والتنشئة الاجتماعية، والمعلومات المتاحة، والنقاشات العامة، ويخضع كلا النوعين أيضاً لتأثير قادة الرأى والشخصيات المؤثرة، سواء كانوا سياسيين أو إعلاميين أو مشاهير، ويمكن لكل منهما أن يكون له قوة دافعة للتغيير الاجتماعى أو السياسى، كما شهدنا فى العديد من الحركات الاحتجاجية التى انطلقت من الشارع أو من الفضاء الرقمى.

لكن استطلاعات الرأى التقليدية تعتمد على عينات ممثلة ومنهجيات علمية واضحة، بينما تواجه عمليات قياس الرأى العام الرقمى اشكاليات غير مسبوقة، أهمها:

الأولى: دقة تمثيل بيانات المجتمع، فمستخدمو وسائل التواصل الاجتماعى لا يمثلون بالضرورة المجتمع بأكمله، وإنما بعض المستخدمين الذين تفاعلوا حول موضوع أو قضية معينة، وهنا تكون الأفضلية فى التأثير للمستخدمين النشطين رقمياً، وهم فى الغالب من الفئات العمرية الأصغر والأكثر تعليماً، مما يخلق فجوة فى التمثيل الديموغرافى.

الثانية: مشكلة «الحسابات الوهمية» والروبوتات الإليكترونية التى تُستخدم للتلاعب بالرأى العام الرقمى، فقد أصبح من الممكن صناعة اتجاهات وهمية من خلال آلاف الحسابات المزيفة التى تنشر رسائل موجهة، مما يجعل من الصعب التمييز بين الرأى الحقيقى والمُصطنع بواسطة الروبوتات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى.

الثالثة: تحيز الخوارزميات، حيث تميل خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعى إلى عرض محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم وآرائه السابقة، مما يخلق «غرف الصدى» أو «الفقاعات الفلترية»، التى تؤدى ببعض الأشخاص إلى الحياة والتفكير معًا فى عزلة، ومع ذلك يتكون لديهم انطباعاً مضللاً بوجود إجماع أو رأى سائد قد لا يعكس الواقع الفعلى.

الرابعة: تواجه عملية قياس الرأى العام الرقمى صعوبات فى التعامل مع تعدد المنصات واختلاف خصائصها، فما يعبر عنه على تويتر قد يختلف جذرياً عما يُنشر على فيسبوك أو إنستجرام، ولكل منصة خوارزمياتها الخاصة وثقافتها التى تناسب مستخدميها.

الخامسة: هناك تحديات منهجية تتعلق بكيفية تحليل الكم الهائل من البيانات غير المنظمة، والتى تأخذ أشكالاً رقمية مختلفة مثل، النصوص، والصور، والفيديوهات، والرموز التعبيرية، علاوة على تعبيرات ورسوم السخرية والتهكم.. كل ذلك يتطلب أدوات تحليل متقدمة قد لا تكون دقيقة دائماً، وقد لا تتوافر فى كثير من دول الجنوب.

خلاصة القول، علينا أن لا نثق كثيراً فى الرأى العام الرقمى وقياساته، ونتعامل معها بحرص وبنظرة نقدية، فهى تعكس فقط بعض الاتجاهات داخل المجتمع، لكنها لا تمثل أغلبية الرأى العام الحقيقى.