كان لى بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمى للغة العربية شرف المشاركة فى مؤتمر الجامعة الأمريكية الدولى المنعقد بالقاهرة يومى ١٧، ١٨ ديسمبر الجارى بورقة بحثية عنوانها «الانغماس اللغوى خارج قاعة الصف» قدمت فى أثنائه تجارب الانغماس اللغوى وأثره على الكفاءة اللغوية والثقافية لدى المتعلمين من واقع التجارب التطبيقية، والمعايشة الفعلية سواء لدى الناطقين بها أو بغيرها، وهاكم جملة من الفوائد التى يمكن عرضها فى إيجاز:
أهمية المعايشة اللغوية، وقد كان أجدادنا يستعملونها فى صعيدنا العريق، وفى أنحاء القرى من ربوع المحروسة حينما يجدون من تبدو عليه آثار النجابة، وتظهر عليه سيماء الحصافة، فإذا هم يقومون بتدريبه على الخطابة فى جلساتهم الصغيرة فى الديوان- مكان الضيافة الخاص بالعائلة -أو يقدمونه فى مقامات الكلام، وتراهم يعيرونه اهتمامًا، ويدفعونه نحو حفظ الجيد من القول، وهذا المثل تلوح فيه المعايشة اللغوية بشكل كبير.
وتتضح المعايشة والانغماس اللغوى حتى فى الشعر العربى.
تقول الرواية الشهيرة فى أخبار أبى تمام (حبيب بن أوس الطائى)، إن رجلاً جاء إليه يرغب فى تعلم قول الشعر واحترافه، فطلب منه أبو تمام طلبًا محددًا ليعتبره «تذكرة دخول» لعالم الشعراء.
قال له أبو تمام: «اذهب فاحفظ ألف بيت من أشعار العرب، ثم عُد إليّ».
ذهب الرجل وغاب مدة من الزمن، بذل فيها جهدًا كبيرًا فى الحفظ والدرس حتى أتمَّ حفظ الألف بيت من عيون الشعر العربى وقصائده الجزلة، ثم عاد إلى أبى تمام مزهوّا بما أنجز، وقال له: «قد فعلتُ وحفظتُ ما أمرتنى به».
وهنا كانت المفاجأة، إذ قال له أبو تمام: «اذهب الآن وانسَها!».
صُعق الرجل من هذا الطلب، فكيف يضيع مجهوده فى الحفظ هباءً؟ لكن أبا تمام كان يقصد حكمة بالغة فى فن الأدب، وهى أن «النسيان» هنا ليس محو المعلومات، بل هو تحويل تلك القصائد من مجرد «نصوص محفوظة» إلى «ملكة لغوية وموسيقية» تجرى فى دم الشاعر.
الحكمة من وراء ذلك:
أراد أبو تمام أن يتشبع الرجل بأساليب العرب، وتراكيبهم، وبحورهم الشعرية، وصورهم الجمالية، حتى إذا بدأ يكتب، لا يجد نفسه يقلد ما حفظه حرفيًا، بل يخرج شعره نابعًا من موهبته وبصمته الخاصة، ولكن بمتانة ورصانة الأشعار التى حفظها. فالحفظ يبنى الأساس، والنسيان (أو استحضار روح النص لا حرفيته) هو الذى يصنع المبدع.
أقول، ولعل من طرق المعايشة التى أنفذها مع طلابى خارج الصف النزول إلى الملعب، لإجراء مباراة كرة قدم حقيقية، مع وضع معايير لذلك، ومن يخالف توقع عليه العقوبة، وتثبت عليه المخالفة، ومن ضمن هذه المعايير:
■ التحدث بالفصحى على أرض الملعب
■ من يتحدث بالعامية أو بلغة أجنبية تحتسب عليه مخالفة
■ يحتسب الحكم الطرد بعد ثلاث مخالفات
وغير ذلك من المعايير التى تدفع المتعلمين إلى استعمال الفصحى فى بيئة حقيقية ومعايشة واقعية.
ما أحوجنا إلى تحويل الصف التعليمى إلى صالون أدبى تطرح فيه التساؤلات، وتناقش فيه المشكلات، وتتبادل فيه الآراء، وتتشارك فيه الأفكار، وهذا هو عمق المعايشة اللغوية.
على المعلم توجيه الطالب فى المستويات المتقدمة إلى ناقد للنص، لا متلقٍ خامل فحسب.
نحن بحاجة ماسة إلى تحويل المواد التعليمية والمناهج المدرسية إلى حوارات تبادلية، وأنشطة تفاعلية، تكسر الجمود الذى سطا على مناهجنا سنوات عديدة ودهورًا مديدة.
صفوة القول لدى، لا تعليم بلا معايشة، بل هما صنوان متلازمان، وتربان لا يفترقان.

ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون
حكاية الأربعاء
هل يفعلها المنتخب؟







