نحن والعالم

خيط العنكبوت

ريهاب عبدالوهاب
ريهاب عبدالوهاب


جدل واسع أثاره قرار الحكومة الإسرائيلية غلق إذاعة الجيش بعد 75 عامًا لعبت فيهم دورًا مركزيًا فى تشكيل الوعى العام الإسرائيلى وأفرزت خلالها أبرز الصحفيين والمثقفين الإسرائيليين.

ورغم ان الرواية الرسمية ربطت القرار بإعادة هيكلة الإعلام العسكرى وترشيد النفقات، لكن هذا التبرير لم يقنع قطاعات واسعة من العامة والنخب الإسرائيلية، خاصة ان 87٪ من ميزانية الإذاعة السنوية البالغة 52 مليون شيكل يأتى عبر بيع حقوق الرعاية والإعلانات الخدمية.

ويرى هؤلاء ان إذاعة الجيش والتى تعتبر واحدة من المنصات الحكومية القليلة التى تصدر الأخبار دون فلترة حكومية وتمتع بمساحة لاستضافة أصوات ناقدة لأداء القيادة السياسية، باتت مصدر إزعاج لليمين الحاكم، ومن هنا جاء قرار غلقها الذى يخدم نتنياهو على عدة مستويات: أولًا، تقليص مساحات النقد، وضمان احتكار الرواية الرسمية حول الحرب والأمن القومى. ثانيًا، ينسجم القرار مع مشروع أوسع لإعادة هندسة المجال الإعلامى فى إسرائيل، حيث يسعى نتنياهو لإضعاف المنابر التى تُصنَّف باعتبارها «نخبوية» أو «ليبرالية»، وتعزيز وسائل إعلام أكثر قربًا من الخطاب الشعبوى والقومى الذى يتبناه. وثالثًا، يحمل القرار رسالة مفادها أن المؤسسة العسكرية لم تعد بمنأى عن التدخل السياسى، فى كسر لتقاليد طالما تباهت بها إسرائيل.

ويتماشى هذا النهج مع استراتيجية نتنياهو التى كتبت عنها قبل أسبوعين والتى تهدف لإحكام سيطرته على الأجهزة السيادية وتوجيهها بما يخدم أولوياته الشخصية، وتقليص تأثير المؤسسات الإسرائيلية التقليدية، وتعزيز سيطرته على مراكز الدولة العميقة فى إسرائيل بما فيها المؤسسات العسكرية والقضائية والإعلام.

والحقيقة ان نتنياهو بهذا القرار، وبكل قرار يتخذه لدفع مخططاته وخدمة مصالحه الخاصة، يدق مسماراً فى نعش أكذوبة «اسرائيل جنة الديمقراطية فى الشرق الأوسط» التى ظل أسلافه ينسجونها لعقود، ويستخدمونها كستار للتباهى بالتميز والتفرد بين دول الإقليم، ليتضح للعيان أخيراً، خاصة بعد حرب غزة، انها ليست سوى دولة عنصرية وديمقراطيتها المدعاة زائفة وأوشاجها أوهن من خيط العنكبوت.