هاني أبو العلا يكتب: الكلاب الضالة.. بين كرامة الحيوان والرفق بالانسان!

هاني أبو العلا
هاني أبو العلا


تأتي أحداث الشاب، الذي لقي حتفه متأثرًا بمضاعفات العقر من كلب ضال قبل ثلاثة أشهر في قريته طليا بمركز أشمون بمحافظة المنوفية، بعد رحلة علاج طويلة، لتمثل ناقوس خطر يلفت الأنظار نحو تلك الظاهرة، التي ألفها سكان معظم مدن وقرى مصر.

وبعدما ألف المصريون الكلاب الضالة، التي أصبحت تتكاثر وتتكاثر كواقع يشهده الصغار والكبار في الشوارع، والميادين، ومداخل العمارات، بل داخل أسوار بعض المؤسسات، كالجامعات والمدارس والمستشفيات، ولا يُخشى من أخطارها، ومع وجود العديد من أجراس الإنذار، التي تقرع هنا وهناك، جراء هجوم الكلاب الضالة على المارة ما أدى لإصابتهم بإصابات مختلفة، ونقلهم إلى المستشفى، أو الاستغاثات المتكررة لأطفال صغار، أصبحوا يخشون النزول للشوارع بمفردهم، جراء هجوم الكلاب أو جريها خلفهم، مما أصابهم بحالات من الزعر أثناء ذهابهم للمدرسة صباحاً أو عودتهم منها. وربما لا تعود أضرار تلك الكلاب على الإنسان فحسب، بل على ممتلكاته، ولعل الكثير منا لا ينكر ما تتعرض له السيارات من أضرار جسيمة، جراء إعتلائها بالكلاب، بل والعبس بها بشكل يتطلب صيانات مكلفة في بعض الأحيان.

وفي عالم يتزايد فيه التفاعل، والمحاولات المستمرة لتبادل الاتهامات، بين الدعوة للتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، وبين الحاجة لحلول تضمن وجود الإنسان آمناً مع الحفاظ على الحيوان، تبقى قضية الكلاب الضالة من أكثر القضايا إثارة للجدل والنقاش، خاصة في المدن التي تعاني من انتشارها وتحديات السيطرة عليها، وكنا قد أومئنا إلى ذلك في مقال سابق.
وبينما ينادي البعض بحماية حقوق الحيوانات، يظل الحفاظ على سلامة الإنسان وممتلكاته من مخاطر الكلاب الضالة مسؤولية مجتمعية لا يمكن إغفالها. فمما لا شك فيه إن الرفق بالحيوان، بما في ذلك الكلاب الضالة، يعكس قيم إنسانية سامية، ويؤكد على ضرورة التعامل معها بشكل رحيم، من قبيل إن لتلك الكلاب الضالة حقوقها في العيش والرعاية، التي غالبًا ما تقع ضحية للإهمال وسوء المعاملة، وتعيش ظروفًا صعبة من نقص الغذاء والمأوى، ما يجعلها تتعرض للأمراض، إلا إن الاعتناء بهذه الكلاب لا يعني التخلي عن مسئولية السيطرة على أعدادها وحماية المجتمع من مخاطرها، بل إن ذلك بات ضرورة تتطلب وضع استراتيجيات مدروسة توازن بين حقوق الحيوان وحقوق الإنسان، وتضع في الاعتبار ضرورة الحد من مخاطر انتشار الأمراض، وتأمين بيئة آمنة للجميع.
    ونجد مجموعة من التساؤلات تطرح نفسها، فما هي أنسب الاستراتيجيات، وما هي الإجراءات الأكثر عملية للرفق بالكلاب الضالة؟ وبالطبع نجد مجموعة من الإجراءات تتبادر في الأذهان، بدءاً بـ التوعية والتثقيف، التي تعد من أهم الوسائل لتعزيز الوعي لدى أفراد المجتمع حول طرق التعامل مع هذا النوع من  الحيوانات، وطرق الوقاية من هجماتها. ثم التطعيم، الذي يعتبر من إجراءات تقليل انتشار الأمراض المعدية مثل السعار. كذلك فالتعقيم يعتبر من أنجح الوسائل للحد من تكاثر الكلاب الضالة. أما إنشاء مراكز متخصصة لاحتواء الكلاب الضالة، وتقديم الرعاية الصحية، والتعقيم، ثم إعادة التأهيل أو التبني، فهو أحد الحلول أيضاً.
    وعلى الجانب الآخر تبرز مسئولية حماية الإنسان من مخاطر الكلاب الضالة، فعلى الرغم من حقوق الحيوان، إلا أن حماية الإنسان تأتي في المقدمة ، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ما يتطلب تحديد مناطق انتشار الكلاب الضالة ووضع حلول ناجزة. ولعل في بعض التجارب الدولية الناجحة في إدارة ظاهرة الكلاب الضالة خير مثال، فإلى جانب الجهود المحلية، يمكن الاستفادة من نماذج ناجحة في إدارة الكلاب الضالة بطريقة شبه مثالية. ومن أبرز هذه التجارب: تجربة اليابان، حيث اعتمدت السلطات على برامج شاملة للسيطرة على الكلاب الضالة تضمنت التعقيم والإخصاء الإجباري، بالإضافة إلى حملات توعية للمجتمع حول مسؤولية تربية الحيوانات. كما تم تجهيز مراكز إيواء مناسبة للكلاب، مع إجراءات لإعادة تأهيل الكلاب التي يمكن تبنيها. وكانت النتيجة انخفاض كبير في أعداد الكلاب الضالة، وتقليل المخاطر الصحية والأمنية على المجتمع، مع الحفاظ على حقوقها. كما نجح نموذج النرويج من خلال الاعتماد على التعقيم والتبني والتوعية على تقليل أعداد الكلاب الضالة بشكل مستدام، مع احترام حقوقها، وتعزيز الوعي المجتمعي تجاهها.
أما الولايات المتحدة، فقد اعتمدت على العديد من المنظمات غير الربحية التي تعمل على جمع الكلاب الضالة، وتوفير برامج تعقيم وتبني، بالإضافة إلى حملات توعوية، وسن عدد من القوانين الصارمة، التي تفرض على مالكي الحيوانات الالتزام بالتعقيم، وقد ساعد ذلك على ارتفاع معدلات التبني، وانخفاض أعداد الكلاب الضالة وإقرار نوع من التوازن بين حقوق الحيوانات وسلامة الإنسان.
في ضوء ماسبق، أرى أن الفرصة أصبحت سانحة لنحترم الكلاب، لكن بعد إعادة ترتيب العلاقة بينها وبين الإنسان، فقد حان الوقت لنرفق بالإنسان.
حفظ الله مصر .

كاتب المقال: أستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم.