عندما كان الموسيقى المعروف «تومى داندو» يعزف على الأرغن فى القاهرة ، حسبت أن هذا الفنان العالمى يستطيع أن يؤدى أكبر خدمة للموسيقى المصرية عندما يتذوقها، فبالتأكيد سوف يُعجب بها عندما يستحسنها، وسوف يعزفها فى حفلاته التى يقيمها فى العواصم الأوروبية والولايات الأمريكية، وفى هذا أفضل دعاية لمصر، ولهذا رأيت أن أقوم بهذه المهمة، فقدمته إلى كثير من الموسيقيين المصريين، قدمت له كثيراً من ألوان الموسيقى المصرية التى درسها وتدرب عليها وعزفها، ثم قال لى: «ليس عندكم موسیقی تصلح للتصدير إلى الغرب، إلا موسيقى محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش».
ومرت الأيام.. وهنا فى لندن.. سمعت «تومى داندو» يعزف على الأرغن موسيقى عبد الوهاب وفريد الأطرش، والجمهور الإنجليزى الذى يزن الموسيقى بميزان الذهب يصفق ويطرب، وهذه حكاية واقعية، أحب أن أقولها لجمع كبير من أهل الفن فى مصر أعلم أنهم ليسوا على وفاق وود مع فريد زمانه الموسيقار الحزين فريد الأطرش، ولا يحبون أن يعترفوا به كفنان ملهم !
وعندى حكاية أخرى، أقولها للذين كلما سمعوه، أو سمعوا موسيقاه وضحكوا هازئين على اعتبار أن مقياس النجاح للفنان مرهون بمدى سعة استجابة الجمهور له، وهم على خطأ فيما يروجونه من اعتقاد غير صحيح، لأننى أعرف حجم اتساع جماهيرية فريد الأطرش فى مصر والدول العربية، والدليل أنه الأعلى أجراً فى السينما، والأعلى أجراً فى حفلاته بالمنطقة العربية، وعلى الجميع أن يعترف بأن فريد من أحب أهل الفن للجمهور، وجمهوره فى أغلبه من ذوات الخدود الأسيلة والعيون الجميلة، وهذا صنف من الناس مُرهف الحس رقيق الشعور، كلامه أنغام فلا بد أن تكون موسيقى فريد الأطرش مُرهفة وحساسة ورقيقة وشاعرية.
عرفت فريد فى أشقى أيامه، وعرفته فى أسعد أيامه، عرفت فيه الإنسان الذى لا تذله النقمة، ولا تغيره النعمة، ففريد الذى كان يغنى فى صالة بديعة مقابل قروش هو نفسه فريد الذى يكسب من السينما آلاف الجنيهات! وفريد الذى كان فى سنة 1932 يجاهد فى سبیل جنيه واحد يتقاسمه مع أهله وأصدقائه، هو نفسه فريد الذى يكسب هذه الآلاف فى سنة 1952، وأصدقاؤه سنة 1932 هم نفس أصدقائه سنة 1952.
فى نغمات الموسيقار فريد الأطرش، حسن وحزن، فأما الحسن فأترك تقديره لمحبيه لا لكارهيه، وأما الحزن فمصدره أن قصة حياة فريد عبارة عن قطيعة من الأهل، وفجيعة، سلسلة من المآسى بدأت بمصرع شقيقته أسمهان التى ولت فى عمر الزهور، ووجيعة فى الحب الوحيد الذى كان نور حياته ووحى نغماته، فنرى الحزن منقوشاً على وجه فريد، حتى وهو يضحك! ونراه أوضح وهو يغنى، ولو تأملت وجهه لوجدته يتجمد وينبسط، ويتقلص وينفرد، وتكثرُ هناته وتبرزُ قسماته، فيُخيل لك أنه يبكى، والواقع أن قلبه هو الذى يبكى ويدوب فى حرقة هذه الدموع !
يعيب عليه البعض ضعف صوته، وقد يكون هذا صحيحاً، لكن میكروفون الإذاعة وميكروفون السينما لم يتركا فارقاً كبيراً بين الصوت القوى والضعيف، على أن هذا العيب لا يُنقِص من قدره ولا يهبط بمكانته، فالموسيقى فى كل عصر لا يُحاسب على صوته، بل على ألحانه، وفريد فنان من القلائل الذين يؤمنون بأن الموسيقى المصرية يجب أن تتقدم وتتطور وتجارى العصر وتصلح للوصول للعالمية، وهو واحد ممن يؤمنون بالهارمونى، ومن الذين يؤمنون بالأوركسترا الذى يجعل الأغنية صالحة للعالمية.
«الكواكب» - 22 يوليو 1952

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







