تحل علينا غداً الذكرى 51 لغياب الموسيقار الحزين فريد الأطرش الذى وصل بموسيقاه للعالمية، وهو الفنان العربى الوحيد الحائز على وسام الخلود الفرنسى الذى حصل عليه من قبله بيتهوفن وشوبان، وحصل فريد الأطرش على جائزة أحسن عازف عود فى العالم من تركيا عام 1962، وحصل على عدة ألقاب من بينها: « موسيقار الأزمان» و«ملك العود» و«الموسيقار الحزين».
كانت بداياته الأولى فى مصر سلسلة من الشقاء والمعاناة والكفاح المستمر الذى صنع به شهرته ونجوميته بقلبٍ حزين ومكسور لرحيل شقيقته أسمهان غرقاً فى النيل، وبالرغم من أنه عرف 7 نساء فى حياته وقعن فى غرامه إلا أنه لم يتزوج بواحدة منهن، وظل قلبه مُحطماً بعد أول ذبحة قلبية أصُيب بها نتيجة لغدر الملكة التى أحبها وفكر فى الزواج منها، لكن والدتها أهانت كرامته بكلماتٍ جارحة كادت أن تودى بحياته!
تعرف فريد على الملكة ناريمان وأسرتها قبل أن يتم طلاقها من الملك فاروق، وتوثقت العلاقة بينهما بعد عودتها للقاهرة وحصولها على الطلاق بحكم المحكمة، والناقد الفنى عبد النور خليل ينقل لنا ملامح العلاقة التى كانت بين الملكة والموسيقار فى مقال بعنوان «غرام الملكة والفنان.. فريد وناريمان»، يقول فيه: إن الصحف تناقلت أخبار الزواج المُرتقب من الملكة السابقة والموسيقار فريد الأطرش، الأمر الذى جعل والدة الملكة ترسل بياناً للصحف تحذر فيه الأطرش من مجرد التفكير فى هذا الأمر، وطالبته بمعرفة قدر نفسه ومراعاة الفوارق الاجتماعية، ولم يتحمل فريد هجومها القاسى، ورد عليها لتوضيح أصله وحسبه ونسبه قائلاً: «إننى أمير من نسل أمراء الدروز.. أباً عن جد.. بينما ناريمان لم تحصل على صفة الملكة إلا بعد زواجها من الملك، وها أنا أضع كل حسبى ونسبى وثروتى كلها أمامها»، والدة الملكة حرضت ابنتها على رفض العرض وزادت من حدة الإهانة التى لم يتحملها قلب فريد وأكد 6 من الأطباء الذين أجروا له الفحوصات فى منزله إصابته بذبحة صدرية ونصحوه بعدم الحركة لكنه أصر على استدعاء الصحفيين إلى منزله وقال لهم: «أقولها بصراحة تامة بأن ناريمان سوف تندم فى يوم ما على الكلمات التى قالتها، وإنها هى التى كانت ستكسب من وراء زواجى بها قبل أن أكون أنا الرابح، لكن بعد هذا التصريح أغلقت الباب نهائياً على مجرد التفكير فى هذا الزواج، وأنا لا أقول هذا الكلام لمجرد التفاخر أو الغرور، لكننى متأكد من أننى ابن أصل ومن عائلة كريمة، وفوق هذا فإننى عصامى بنيت حياتى من عرقى وكفاحى، ولم أعتمد على صلة القرابة أو المصاهرة لكى أمتص الأموال أو أكسب بطرق غير مشروعة».
ودخل على خط المعركة الكاتب الكبير موسى صبرى عندما كان رئيساً لتحرير مجلة «الجيل»، ويقول فى كتابه «50 عامًا فى قطار الصحافة»: إن فريد أصُيب فى عام 1954 بأول نوبة قلبية، ألزمته الفراش وهددت حياته بالموت، نتيجة لما صرحت به أصيلة هانم والدة الملكة ناريمان على ما نُشر فى الصحف بكلماتٍ أهدرت كرامة فريد الأطرش وأخفها تساؤلها «من يكون هذا الفريد الأطرش؟ إنه ليس أكثر من مطرب»، ويستطرد موسى صبرى قائلاً: «كان فريد على صداقة بأسرة ناريمان، وكان يدعوهم فى منزله، ويتلقى دعواتهم، فأصابته هذه الكلمات فى مقتل، وقد أنقذه الأطباء من الأزمة القلبية الحادة بأعجوبة، وكتب موسى صبرى مقالاً بعنوان «سيدتى الملكة السابقة.. رفقًا بأهل الفن» قال فيه: «ليس من حق السيدة ناريمان، أن تنال طائفة يجب أن يكون لها مكانتها فى مجتمعنا بالتجريح والتحقير، هذا أسلوب بلاه الزمن الذى أسرعت عجلاته إلى الأمام ، وأهل الفن هم أهلنا المُفترى عليهم، لأن ذنبهم أنهم دائماً تحت الأضواء، وإن ما يدور وراء البيوت المُحجبة، لهو أقسى بكثير مما يفعله أهل الفن بلا حجاب، وتحت ضوء الشمس»!.
ويذكرنا الناقد عبد النور خليل بأن فريد أنتج فيلم «قصة حبى» وطلب من الشاعر محمد فهمى إبراهيم أن يكتب أغنية ضمن أحداث الفيلم تبدأ باسم «نورا» وهو اسم التدليل للملكة ناريمان الذى كان يناديها به أفراد عائلتها، وكأنه تعمد أن يحكى للناس كلها عن حبه الذى كُتب عليه أن يرحل قبل ما يُولد، ويقول الفنان عبد السلام النابلسى المقرب جداً من فريد الأطرش إنه كان شاهداً على حب فريد لناريمان التى بادلته الحب، وخطفها منه الملك فاروق وتزوجها لكى ينجب منها ولى العهد، وتجدد الحب بينهما بعد طلاقها من الملك، وكان يتردد على بيت الأسرة وكانت الملكة السابقة تعامله ببساطة، وفى إحدى المرات طلبت أن تشاهد فيلمه «لحن الخلود» فى عرض خاص، فتحدث إلى المسئولين فى استديو مصر، ووافقوا على أن يعطوه صالة العرض لساعاتٍ، وحين ذهب إلى الاستديو ومعه ناريمان لم يجد واحداً من المسئولين، كلهم هربوا خوفاً من أن يُقال إنهم استقبلوا الملكة السابقة ناريمان فيغضب منهم وعليهم ضباط ثورة يوليو، ووقع فريد فى حرج فأشاع فى العرض الخاص ظرفاً أنساها ما حدث، وكانت أم الملكة ناريمان أصيلة هانم على عهد الحفاوة بفريد، وكان قلب فريد ينعطف من حيث لا يدرى إلى ناريمان الحزينة، ويتمنى لو يستطيع إسعادها، وقرر الزواج منها باعتبارها ملكة سابقة من أسرة كريمة وهو فنان مرموق من أسرة لا تقل كرماً ولا كرامة، وكان يقول لنفسه «صعد بك فنك إلى مستوى القصور والملوك، وأنت من باب المباهاة والتيه أمير بحكم فرمانى سلطانى منح أولاد الأطرش لقب الإمارة»..
وصدق من قال «ومن الحب ما قتل»، ويدرك كل من كانوا مُقربين من الموسيقار الحزين ما تركته الإهانة فى نفسه وما تسببت فيه من ترسباتٍ مؤلمة اختزنها فى قلبه العليل، ورحم الله فريد زمانه الذى أشجانا بألحانه وأفلامه.

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







