انتباه

علاء عبد الوهاب يكتب: لحظة صدق

علاء عبد الوهاب
علاء عبد الوهاب


أيام قليلة ما إن ترحل، يشرق علينا عام جديد، وربما تحفظ، أو حتى اعترض البعض على لفظة تشرق، والمعمورة تظلها غيوم كثيرة، لكنه الأمل الذى يدفعنا إلى نبذ التشاؤم مهما كانت الصعاب والمشاكل، والتمسك بأهداب التفاؤل، فالأمل جسر نحو مستقبل أجمل، وغيابه لا يعنى سوى الوقوع فى أسر دائرة جهنمية من اليأس والإحباط والقلق.

رغم أن معظم ما يحيط بالبشرية يدفع الكثيرين للعبوس، وفقدان الأمل، إلا من رحم ربى، فإن ثقته فى الله وفى رحمته تكون سبيله نحو تجاوز اللحظة الصعبة، نحو الأفضل والأكثر رحابة.

إلا أن الأمر يتطلب لحظة صدق مع النفس أولًا، فالمرء لا يتصالح مع محيطه وواقعه، بينما لا يواجه ذاته أولًا، ويمارس معها نقدًا واعيًا، قاصدًا إجراء «عملية فرز» يجنب خلالها السيئ وينتصر للخير والحسن.

لحظة الصدق المتوخاة، تقود الإنسان الصادق مع نفسه قبل أن يدعى الصدق مع الآخرين، إلى امتلاك «إرادة التغيير» ومن ثم «إدارة التغيير» لصالحه، ثم ليشاركه من حوله فى قطف ثمار الخيارات التى من شأنها تصحيح المسار، وضبط بوصلة المسيرة، والأهم أن تتلاءم مع متطلبات الواقع المتغير.

هذه اللحظة تحمل فى طياتها دعوة لممارسة النقد الذاتى أولًا، قبل منح المرء لنفسه حق النقد لـ «الآخر»، ولمجتمعه، وربما توجيه سهامه إلى كل شيء وأى شيء دون استثناء، الصدق فى نقد الذات يترجم إحساسًا عميقًا بالمسئولية والأمانة، ويعكس وعيًا لأن من يمارسه يستطيع أن يرى الجديد المرجو، عبر الواقع بسلبياته، ومن ثم القدرة على تجاوزها، فالنقد هنا لا يعنى نبذ الخطأ فقط، أو حتى هدم دعائمه، وإنما إحداث تغييرات كمية تم كيفية، والولوج نحو عالم أفضل، عالم الإنسان الشخصى أولًا، ثم التفاعل للإسهام فى صياغة التحولات الإيجابية فى كل الدوائر التى يمكنه الوصول إليها.

وأخيرًا، فإن لحظة الصدق فى توقيت رحيل عام واستقبال آخر، تعنى أن ثمة شعورًا بالمسئولية بضمير يقظ، أو بعبارة أخرى، فإنها تعكس إحساسًا راقيًا بالمسئولية الأخلاقية ـ تحديدًا ـ إذ وعى الإنسان بهذه المسئولية المؤسسة على قاعدة من الحرية الواعية، يؤهله لأن يكون مصدرًا للفعل، وألا يركن فقط لدور من يقف فى موقع رد الفعل.