يشكّل الكشرى المصرى شاهدًا حيًا على قدرة الثقافة المصرية على التجدد والانتشار، لما يدهش العالم به من بساطة وعمق .
فى يوم ليس ككل الأيام، اعتمدت هيئة اليونسكو (ورئيسها مصرى) يوم الاثنين الماضى وجبة الكشرى على قائمة التراث الإنسانى اللامادى، باعتبارها أحد الرموز الأصيلة للمطبخ المصرى. وتؤكد اليونسكو من خلال هذا القرار أن هذه الوجبة الشعبية هى واحدة من أبرز وجوه الهوية الغذائية فى مصر، لارتباطها بالشارع ولكل الطبقات، حيث يحبها الغنى والفقير والمعدم. وبالتالي، فهى ليست مجرد طبق طعام، بل تمثل عنصراً ثقافياً يتجاوز حدود الأكل إلى حالة اجتماعية كاملة. والمهم هنا أن هذا هو أول طبق مصرى يُسجَّل رسميًا، وأن الأعوام المقبلة، كما يقول وزير الثقافة، ستشهد إدراج عناصر جديدة من الممارسات الاجتماعية والثقافية المتوارثة، التى تعكس روح التنوع والمشاركة داخل المجتمع.
الثقافة المصرية
ويشكّل الكشرى المصرى شاهدًا حيًا على قدرة الثقافة المصرية على التجدد والانتشار، لما يدهش العالم به من بساطة وعمق. وقد أصبح الكشرى جزءًا من القوة الناعمة لمصر، إذ اعتاد بعض السفراء وضيوف الدولة على تذوقه كمن يريد أن يدخل إلى روح البلد من باب الشعب قبل الحكومة، وربما كان آخرهم كبير مستشارى الرئيس الأمريكى ترامب للشئون الافريقية والشرق الأوسط مسعد بولس والذى سُجلت له لقطات تليفزيونية وهو يعد لنفسه طبق الكشرى بطريقة استعراضية اسعدت كل من كان معه. وكان مما نشرته صحف القاهرة منذ شهور أن أمين عام جامعة الدول العربية كان حريصا على دعوة ضيوف الجامعة ليتناولوا الكشرى فى واحد من أشهر محلاته فى العاصمة. ويُروى أن بعض السفراء والسياسيين كان يهرب من الولائم البروتوكولية ليجلس فى مطعم صغير يلتقط صورة مع طبق كشرى لا تقل أهميته فى ذاكرته عن صورة له مع الأهرامات، وذُكر فى ذلك وزيرا خارجية سويسرا وإيران وسفير الاتحاد الأوروبى فى القاهرة وهم اشخاص لهم ثقلهم الدولى، وينقل عن أحد السفراء الأجانب بالقاهرة أنه قال يومًا ما مع انتهاء مهمته الدبلوماسية: «تعلمت أن السلام يمكن أن يبدأ بطبق كشري…
شرط أن يكون البصل مقرمشًا!» وكان ذلك بهزار طبعا. وهكذا أصبح الكشرى، من دون تخطيط مسبق، أداة من أدوات القوة الناعمة المصرية، وجبة بسيطة تعبر بضيوف مصر من الاستقبال الرسميّ إلى الشعبي، ومن البروتوكول إلى البساطة والمشاعر التى تدخل الى القلب مباشرة. والمصريون يتذكرون جيدا أن مدرب كرة القدم الأشهر البرتغالى روى فيتوريا، مدرب منتخب مصر الأول لكرة القدم سابقًا أكل كشرى مرات عديدة وكان مغرما به، حيث شوهد مرارا وهو يتناول الكشرى فى أحد المحلات الشهيرة بالقاهرة مع جهازه المعاون، مما أثار اهتمامًا إعلاميًا كبيرا وضجت بتلك الاخبار الطريفة المواقع الرياضية المصرية والأجنبية على حد سواء. والشيء بالشيء يذكر، لعل المصريين المهتمين بالرياضة ما زال فى ذاكرتهم اسم احمد كشرى كأحد لاعبى النادى الأهلى القدامى وكان من المشهورين جدا.
الأكلات الشعبية
ولأهمية هذه الوجبة عند المصريين، سجل الكتاب والمفكرون تقديرهم لها فى مؤلفاتهم، سواء المتخصصون فى الطعام أو كتَّاب الروايات. من ذلك كتاب «الطبخ أصله مصرى» للكاتبة سميرة عبدالقادر، الذى رصد الأكلات الشعبية المصرية، ومن بينها الكشري، والمجموعة القصصية للكاتب حسن كمال، التى خصص فيها قصة بعنوان «كشرى مصر»، وأخيرًا كتاب «حكايات المطبخ المصرى» للكاتبة حنان جعفر، الذى خصص للكشرى جزءًا معتبرًا من محتواه.
والكشرى ليس مصرى الأصل، رغم ان المؤرخين قد سجلوا اعتياد المصريين القدماء على اكل مزيج من العدس والحمص والحبوب كوجبة أساسية منذ الاف السنين، وكانوا يسمون هذه الوجبة «كشير» أى طعام الآلهة.
لكن جذوره القريبة نسبيا ترجع إلى الهند، حيث كان يعرف باسم «خيشرى»، وربما يكون الأصل فى الاسم فرعونيًا كما توحى بذلك موسيقى الكلمة، وكانت مكوّناته الأساسية العدس والأرز فقط. وقد أحضره الجنود البريطانيون معهم عند عودتهم من الهند إلى مصر، وأصبح وجبة الإفطار الرئيسية لأهل السويس، حيث كانت الميناء الذى يحط فيه الإنجليز رحالهم. لكن المصريين أضافوا إليه نكهتهم الفريدة، فأضافوا المكرونة والحمص والبصل المقلى والشطة، محوّلين إياه من وجبة فقيرة إلى أكلة غذائية متوازنة تحمل الهوية المصرية بكل وضوح. وحسناً فعلت سفارة مصر فى نيودلهى بالاحتفال بهذه المناسبة، إذ إن هذا الاحتفال فى الهند له دلالة خاصة فى ضوء الحقائق التاريخية السابقة.
الكشرى الإسكندرانى
والكشرى التقليدى فى مصر يصنع بإتقان على أيدى أهل القاهرة فى الغالب، وتتفنن المحلات فى صور تقديمه، وهو يختلف بذلك عن أنواع أخرى منه شائعة مثل الكشرى الإسكندرانى. فمكونات الكشرى القاهرى الأساسية هي: أرز، مكرونة، عدس بجبة، حمص، بصل مقلي، صلصة طماطم، ودَقة مكونة من الثوم والكمون المضاف إليهما الخل وعصير الليمون، بالإضافة إلى شطة مذابة فى الزيت الحار. أما الكشرى الإسكندرانى فيستبدل فيه العدس أبو جبة بالعدس الأصفر، وغالبًا لا يقدم معه توابل أو صلصات. وهناك أنواع أخرى، مثل الكشرى بدون مكرونة ليكون خفيفًا على المعدة، ويضاف أحيانًا عند إعداده فى المنزل قطع من اللحم أو الكفتة أو البيض لتحسين قيمته الغذائية.
وللكشرى وجه آخر لا يقل أهمية، وهو وجهه الطبي، وسر حب المصريين له أنه يعزز الشعور بالشبع، مما يجعله غذاءً مثاليًا لعمال البناء والباعة الجائلين والعاملين فى المصانع والمصالح الحكومية. فطبق يجمع العدس والحمص والأرز والمكرونة والطماطم لا يمكن أن يكون عابرًا من منظور التغذية الحديثة. فالعدس غنى جدًا بالبروتين النباتى والألياف القادرة على خفض الكوليسترول وتنظيم سكر الدم، والحمص غنى بالمعادن كالحديد والزنك والمغنيسيوم، وأيضًا حمض الفوليك الذى يقوّى الدورة الدموية، بينما تمنح الحبوب مزيجًا متوازنًا من الطاقة السريعة والبطيئة. أما صلصة الطماطم فهى مصدر معروف لمضادات الأكسدة التى تحمى من الالتهاب وتصون الخلايا. بالإضافة إلى ذلك، أثبتت الأبحاث الطبية أن الجمع بين البقول والحبوب يمنح بروتينًا -نباتيا- عالى الجودة يعزز الهضم، ويساعد على الشبع، ويقوى العضلات.
لكن عيب هذا الطبق أنه ذو سعرات حرارية عالية قد تتجاوز 1000 سُعر حرارى للطبق الواحد (مع الكِمالة أحيانا)، مما يجعله غير مناسب لمن يقوم بعمل ريجيم (دايت) ولمن يخشون السمنة، كما يجب على مرضى السكر تناوله بحذر، ويفضل أن يبتعد عنه تمامًا مرضى قرحة المعدة وارتجاع المريء ومن يعانون من القولون العصبي، وطبعا مرضى البواسير يعرفون العناء الذى يمرون به إذا ما أكثروا من الشطة.
قوائم اليونسكو
وأخيرًا، فرغم أن الكشرى وجبة شعبية بسيطة ورخيصة نسبيًا، فإنه لا يمثل مجرد طبق طعام، بل حالة إنسانية وثقافية متجددة وفريدة، لها رائحة الشارع وازدحامه وصخبُه، … فهى وجبة من القلب إلى القلب، وتستحق فعلاً أن تُدرج فى تاريخ الإنسان قبل إدراجها فى قوائم اليونسكو، التى ربما تأخرت كثيرًا.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







