بعد تأجيل طويل.. أمريكا تستعد لزلزال سياسي مع نشر ملفات «إبستين»

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجيفري إبستين - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجيفري إبستين - صورة تعبيرية


بعد أشهر طويلة من التأجيل والمماطلة والجدل السياسي، تقترب الولايات المتحدة من واحدة من أكثر لحظات الكشف حساسية في تاريخها الحديث، مع الاستعداد لنشر أرشيف ضخم من الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، الممول الراحل المدان بجرائم الاتجار الجنسي.

بينما قد تعيد هذه الملفات، التي ظلت حبيسة الأدراج لسنوات، فتح واحدة من أخطر الفضائح التي طالت دوائر المال والسياسة والنفوذ في واشنطن وخارجها، وتضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام اختبار غير مسبوق لشعارات الشفافية والمساءلة التي رفعتها.

وبين ضغوط قانونية، وانقسامات داخل القاعدة الجمهورية، ومخاوف من تنقيح أو إخفاء معلومات حساسة، تترقب واشنطن ما قد تكشفه الأيام المقبلة من أسماء وعلاقات وتفاصيل ظلت طي الكتمان.

اقرأ أيضًا| شبكة نفوذ من واشنطن لتل أبيب.. الكونجرس ينشر وثائق تربط «إبستين» بنخب عالمية

 

لحظة الكشف تقترب

من المتوقع أن تبلغ التكهنات المحيطة بشؤون جيفري إبستين ذروتها، مع النشر المرتقب للدفعة الأولى من الملفات الحكومية المتعلقة بقضيته، في خطوة يُنظر إليها على أنها لحظة حاسمة في مسار قضية لطالما أحاطتها الشكوك والاتهامات بالتستر.

وأكد نائب المدعي العام الأمريكي، تود بلانش، صباح الجمعة، أن وزارة العدل الأمريكية اعتزمت نشر الوثائق في وقت لاحق من الجمعة، موضحًا أن الإفراج عنها سيتم على مراحل وليس دفعة واحدة.

وقال بلانش في مقابلة مع برنامج "فوكس آند فريندز": "إنني أتوقع أن ننشر اليوم (الجمعة) عدة مئات الآلاف من الوثائق، وستأتي هذه المواد بأشكال مختلفة، تشمل صورًا ومواد أخرى مرتبطة بجميع التحقيقات المتعلقة بـ إبستين".

 

التزام قانوني بعد أشهر من التأخير

يأتي هذا التطور بعد أشهر من التأجيل، حيث أصبحت إدارة ترامب ملزمة قانونًا بنشر أرشيف ضخم من الوثائق، يُعتقد أنه قد يلقي ضوءًا جديدًا على تجاوزات إبستين، وعلى شبكة علاقاته بشخصيات عامة نافذة، من بينها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب نفسه، الذي كانت تربطه بإبستين علاقة صداقة سابقة انتهت بقطيعة مثيرة للجدل.

وينص قانون شفافية ملفات جيفري إبستين، الذي أقره الكونجرس في نوفمبر الماضي بعد مقاومة طويلة من البيت الأبيض، على إلزام المدعية العامة بام بوندي بالإفراج، قبل منتصف ليل الجمعة، عن: "جميع السجلات والوثائق والاتصالات والمواد التحقيقية غير المصنفة" المرتبطة بإبستين، وشريكته المدانة جيسلين ماكسويل، وكل الأفراد الذين وردت أسماؤهم في سياق أنشطته الإجرامية.

ويشترط القانون أن تكون الملفات المنشورة قابلة للبحث والتنزيل، لضمان إتاحتها للرأي العام دون قيود تقنية.

 

نشر تدريجي وتحذيرات مسبقة

أوضح بلانش أن وزارة العدل الأمريكية تعمل "بلا كلل" منذ توقيع ترامب على القانون، من أجل جمع ومراجعة كل ما تملكه من وثائق قبل نشرها.

وأضاف: "سنعمل على نشر المزيد من الوثائق خلال الأسبوعين المقبلين، اليوم سنفرج عن مئات الآلاف، وسيتبعها عدد مماثل لاحقًا".

ويأتي نشر الملفات في ظل انقسامات واضحة داخل قاعدة ترامب المؤيدة لشعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" (MAGA)، حيث تصاعد الغضب بين أنصاره بسبب ما اعتبروه تراجعًا عن وعد انتخابي صريح بالإفراج الكامل عن ملفات جيفري إبستين.

وكان ترامب قد تعهد خلال السباق الرئاسي الماضي بالكشف عن الملفات، لكنه تراجع عن موقفه بعد عودته إلى البيت الأبيض، وزاد الاحتقان عندما رفضت المدعية العامة بام بوندي نشر الوثائق الصيف الماضي، ونفت وجود "قائمة عملاء" لإبستين، رغم تصريحات سابقة لها بأنها موجودة على مكتبها.

ومع تصاعد الضغوط، لجأ ترامب إلى مهاجمة مؤيديه، واصفًا قضية جيفري إبستين بأنها "خدعة ديمقراطية".

 

الكونجرس يفرض الإفراج بالقوة

في محاولة لاحتواء التمرد داخل الحزب الجمهوري، أبقى رئيس مجلس النواب الأمريكي، مايك جونسون، المجلس في عطلة لعدة أسابيع، ساعيًا لمنع تمرير التماس يُجبر الكونجرس على التصويت لصالح الإفراج عن الملفات، لكن محاولته باءت بالفشل.

وفي تصويت كاسح، وافق مجلس النواب بأغلبية 427 صوتًا مقابل صوت واحد على الإفراج عن الملفات، قبل أن يؤيد مجلس الشيوخ الأمريكي القرار بالإجماع، ما أجبر ترامب على التراجع وتوقيع مشروع القانون ليصبح نافذًا.

 

مخاوف من التنقيح والتستر

رغم هذا الانتصار التشريعي، أعرب معارضو ترامب عن شكوكهم في أن تكون الوثائق المنشورة كاملة، محذرين من احتمال تنقيح أو حجب معلومات قد تضر بالرئيس الأمريكي ترامب أو بحلفائه.

ويتيح القانون لوزارة العدل الأمريكية حجب بعض المواد، مثل: ما يكشف هوية الضحايا، وصور الاعتداء الجنسي على الأطفال، والوثائق المصنفة سرية، ما قد يؤثر على تحقيقات فيدرالية جارية.

وكان ترامب قد أمر الشهر الماضي بفتح تحقيق جنائي في صلات جيفري إبستين بشخصيات ديمقراطية بارزة، من بينهم الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

 

تهديد بالملاحقة القضائية

شدد الرعاة الديمقراطيون للقانون على أن أي تنقيح يجب أن يكون مبررًا، حيث يُلزم التشريع المدعية العامة بنشر ملخص غير مصنف يشرح أسباب كل معلومة تم حجبها.

وحذر النائب الديمقراطي رو خانا، أحد واضعي القانون، من عواقب عدم الامتثال، قائلاً: "نحن بحاجة إلى إفراج كامل، وأي شخص يتلاعب بهذه الوثائق أو يخفيها سيُلاحق بتهمة عرقلة العدالة، مهما كان منصبه".

وأضاف أن عدم الامتثال قد يضع بام بوندي تحت طائلة ازدراء الكونجرس أو المساءلة القانونية.

 

تصعيد ديمقراطي قبل النشر

حتى قبل صدور الملفات، صعّد الديمقراطيون في لجنة الرقابة بمجلس النواب الضغوط، بنشر 68 صورة جديدة من ممتلكات جيفري إبستين.

وتضمنت الصور: لقطة لإبستين مع الفيلسوف نعوم تشومسكي على متن طائرة، وصورة لـ الملياردير الأمريكي بيل جيتس يقف بجوار امرأة تم إخفاء وجهها، وجوازات سفر نساء من عدة دول، وصور مثيرة للجدل لجثة امرأة مرفقة باقتباسات من رواية لوليتا (وهي رواية تتناول موضوع الاستغلال الجنسي للأطفال ولوليتا هي نفسها اللقب الذي أُطلق فيما بعد على طائرة جيفري إبستين التي كان ينقل فيها إبستين وشركاؤه فتيات قاصرات إلى جزيرته)، ورسالة نصية تناقش تجنيد شابة تبلغ 18 عامًا للقاء إبستين
وأوضح الديمقراطيون أن هذه الصور جزء من أرشيف أكبر يضم أكثر من 95 ألف صورة سلمتها تركة إبستين للكونجرس الأسبوع الماضي دون سياق زمني أو مكاني.

وقال النائب روبرت جارسيا: "سنواصل نشر كل ما يتعلق بملفات جيفري إبستين لضمان الشفافية، ما نراه الآن يثير تساؤلات خطيرة حول ما تحتفظ به وزارة العدل الأمريكية يجب إنهاء هذا التستر فورًا".

اقرأ أيضًا| القصة الكاملة| ترامب في ورطة بسبب ملف «إبستين».. فهل ينجو من كارثة سياسية؟