يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: «ولنعلم أولا ما معنى: عقيدة؟. إن العقيدة هي: أمر معقود، وإذا كان هذا فكيف يقول: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؟ فهل هذا دليل على أن إبراهيم قبل السؤال، وقبل أن يجاب إليه، لم يكن قلبه مطمئنًا؟ لا، لقد كان إبراهيم مؤمنًا، ولكنه يريد أن يزداد اطمئنانًا، لأنه أدار بفكره الكيفية التى تكون عليها عملية الإحياء، لكنه لا يعرف على أية صورة تكون.
إذن فالاطمئنان جاء لمراد فى كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات متصورة ومتخيلة، ومادمت تريد الكيفية، وهذه الكيفية لا يمكن أن نشرحها لك بكلام. بل لابد أن تكون تجربة عملية واقعية، ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. و«صرهن» أى أملهن واضممهن إليك لتتأكد من ذوات الطير، ومن شكل كل طير، حتى لا تتوهم أنه قد جاء لك طير آخر.
وقال المفسرون: إن الأربعة من الطير هي: الغراب، الطاووس، الديك، الحمامة، وهكذا كان كل طائر له شكلية مختلفة.
﴿ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾، فهل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أو اكتفى بأن شرح الله له الكيفية؟ إن القرآن لم يتعرض لهذه الحكاية، فإما أن يكون الله قد قال له الكيفية، فإن أراد أن يتأكد منها فليفعل، وإما أنه قد تيقن دون أن يجرى تلك العملية. إن القرآن لم يقل لنا هل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أم لا؟ والحق يقول مخاطبا إبراهيم بخطوات التجربة: ﴿ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ وكان المفروض أن يقول: يأتينك طيرانا. فكيف تسعى الطيور؟ إن الطير يطير فى السماء وفى الجو. لكن الحق أراد بذلك ألا يدع أى مجال لاختلاط الأمر فقال: «سعيا» أى أن الطير سيأتى أمامه سائرا، لقد نقل الحق الأمر من الطيران إلى السعى كى يتأكد منها سيدنا إبراهيم، إذن فلكى تتأكد يا إبراهيم ويزداد اطمئنانك جئنا بها من طيور مختلفة وأنت الذى قطعتها، وأنت الذى جعلت على كل جبل جزءا، ثم أنت الذى دعوت الطير فجاءتك سعيا.
وهنا ملحظية فى طلاقة القدرة، وفى الفرق بين القدرة الواجبة لواجب الوجود، وهو الحق سبحانه وتعالى، والقدرة الممنوحة من واجب الوجود وهو الله سبحانه لمنكر واجب الوجود وهو الإنسان، هذا له قدرة، وذاك له قدرة؛ إن قدرة الله هى قدرة واجبة، وقدرة الإنسان هى قدرة ممكنة، وقدرة الله لا ينزعها منه أحد، وقدرة الإنسان ينزعها الله منه؛ فالإنسان من البشر، والبشر تتفاوت قدراتهم؛ فحين تكون لأحدهم قدرة فهناك آخر لا قدرة له، أى عاجز. ويستطيع القادر من البشر أن يعدى أثر قدرته إلى العاجز؛ فقد يحمل القادر كرسيا ليجلس عليه من لا يقدر على حمله. لكن قدرة الحق تختلف.
كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا أعدى من قدرتى إلى من لا يقدر فيقدر، أنا أقول للضعيف: كن قادرًا، فيكون. وهذا ما نفهمه من قوله سبحانه لإبراهيم: ﴿ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾. إن إبراهيم كواحد من البشر عاجز عن كيفية الإحياء، ولكن الحق يعطيه القدرة على أن ينادى الطير، فيأتى الطير سعيا.
إن الحق يعطى القدرة لإبراهيم أن يدعو الطير فيأتى الطير سعيا. وهذا هو الفرق بين القدرة الواجبة، وبين القدرة الممكنة. إن قدرة الممكن لا يعديها أحدٌ لخالٍ منها، ولكن قدرة وجب الوجود تُعديها إلى من لا يقدر فيقدر، ولذلك يأتى القول الحكيم بخصائص عيسى ابن مريم عليه السلام: ﴿وَرَسُولًا إلى بنى إِسْرَائِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أنى أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الأكمه والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ «آل عمران: ٤٩».
إن خصائص عيسى ابن مريم لا تكون إلا بإذن من الله، فقدرة عيسى عليه السلام أن يصنع من الطين ما هو على هيئة الطير، وإذا نفخ فيه بإذن الله لأصبح طيرا، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، إن ذلك كله بإذن ممن؟ بإذن من الله. وكذلك كان الأمر فى تجربة سيدنا إبراهيم، لذلك قال له الحق: ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. إن الله عزيز أى لا يغلبه أحد. وهو حكيم أى يضع كل شيء فى موقعه.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







