ينبوع الأمل

حباً للغة العربية

د. أمل قنديل
د. أمل قنديل


د. أمل قنديل

القدرة على تلقى المعرفة لغوياً نعمة ثمينة تستوجب تنميتها والمشاركة بها بحب، مما يجعل مجهود محو الأمية اللغوية من أثمن ما يقدمه إنسان لنفسه وللآخرين

أكتب مقالى هذا عن لغة يزيد عمرها على ألفى عام بمناسبة اليوم العالمى للاحتفاء بها. فلأسباب شخصية وموضوعية تتعلق بجاذبيتها، وبعد أن قمت بالنشر باللغة الإنجليزية خارج مصر منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً وإلى الآن ما يزيد على خمسة وخمسين مقالاً وبحثاً وتقريراً ومشاركة بكتب، قررت من سنوات استكمال ما بدأته فى رحلتى العملية والعودة للنشر بالعربية، اللغة الأم لى ولمئات الملايين من بنى آدم وحواء أحياء على هذا الكوكب، وقد تجاوز عدد الناطقين بها 400 مليون إنسان. أكتب من تجربتى فى حب وتعلم اللغات، ومن عشقى للغة العربية الغنَّاء الفريدة، التى لم أجد مثيلتها لغة تعبيرية، فهى لغة الشعر والأدب، والمنطق والفلسفة والقانون، والطب والجبر والهندسة، ولغة الموسيقى، بل هى موسيقى، حين يُحسن انتقاء وتنظيم كلماتها بحب وتقدير. 
قد يعتبر الكثيرون ببساطة أن اللغة الأصلية عموماً امتداد طبيعى لكيان الإنسان لاعتمادها على الحواس، وهذا تصور تلقائى لأن لغة نشأة الإنسان من مكونات الهوية الأساسية، ولكن أيضاً لأن كل أمر يُسلم بوجوده يقل تقييمه، بما فى ذلك اللغة الأم. يتنبه لبعض ذلك من تتعدد لغاتهم فيجدوا فى إحداها ما تفتقده أخرى، ومن ضعفت أو انتفت قدراتهم اللغوية، لأن وجود القدرات الذهنية والشعورية مستقل عن وجود أى مهارة لغوية. لذلك فالقدرة على تلقى المعرفة لغوياً نعمة ثمينة تستوجب تنميتها والمشاركة بها بحب، مما يجعل مجهود محو الأمية اللغوية من أثمن ما يقدمه إنسان لنفسه وللآخرين. وللعربية نصيب خاص من هذه المسؤولية لأنها من أصعب خمس لغات فى العالم، بسبب قواعد نحو ونطق تعتبر معقدة، هى انعكاس لدقتها وثرائها وتطورها. 
فما لهذه اللغة الثرية شديدة الدقة والتطور، ما زالت وبعد انتهاء عصر الاحتلال والاستعمار البريطانى السافر فى العالم، تتبنى بكثرة مفردات إنجليزية تشوه هيبتها وبنيانها وتنتقص من نضجها وتعكر وضوحها، نصطدم بها كمطبات مصطنعة على طريق ممهد؟ فقارئ منهمك بجدية فى تصفح مادة صحفية تعترضه فجأة توليفة كلمات مثل «بوست شاب قبل سرقة بنك لصرف الانتباه»، فهل سيتساءل من هذه المتواطئة بتقبيله؟ أو «يوجا مات بأقل ثمن»، فهل سيقلقه الخبر؟ أو «ديب فيك» - أهذه شتيمة؟ أو «أدمن المشروع» - لماذا «أدمن»، بصرف النظر عن تشكيل الميم؟ 
نعذر تداخل لغوى كهذا فى حوار دارج قولاً أو كتابة، وتيرته سريعة، بسببها يلجأ المتحاورون لأول مفردات تطرأ على أذهانهم بأى لغة، لكن ما تبريره فى سياق الكتابة للشأن العام بالعربية الفصحى، وفيه يتسع الوقت للتفكير ولانتقاء مصطلحات عربية مقابلة للإنجليزية؟ أقل ما يؤدى إليه التكاسل عن ذلك هو تكسير انسياب اللغة العربية ونغماتها المتفردة بمفردات نشاز عنها، إضافة إلى ما يسمح به من خلط مزعج للمعاني. 
إن المد اللغوى المتزايد للمفردات الإنجليزية فى العالم بسبب العولمة الاقتصادية المصاحب لها عولمة ثقافية وبالتالى عولمة الهوية، معناه انبطاح لغوى صامت متدرج لهويات أخرى فى ظلها. يمكن تفهم ذلك التغلغل فى لغات لها قاعدة مشتركة مع الإنجليزية كالفرنسية أو الاسبانية - وتسمى خطأً «لغات رومانسية» والصحيح هو «رومانيسية» لنشأتها من «العامية الرومانية» فكانت التسمية السابقة - التى تأثرت بها الإنجليزية - لغة «جرمانية» - لقرون، فاكتسبت كما هائلا من مفردات لغات أصولها عامية بلا قواعد نحوية وإملائية رسمية، مما سهل انتشارها وامتزاجها بالإنجليزية، لكن يصعب تفهم تداخلها الفوضوى مع العربية لاستقلال جذورها وبنائيها النحوى والموسيقى عن الإنجليزية، ورغم ذلك تحتل مفرداتها موقعاً متزايداً فى حياتنا اليومية حتى فيما يخص أساسيات كالطعام والشراب والملبس، لوصول مد العولمة بمؤسساتها ومفاهيمها ومظاهرها إلى عقر ديارنا. 
ليس القصد رفض تعدد اللغات فتعددها يفتح آفاق المعرفة، لكن الزج بمفردات إنجليزية متناثرة فى لغة كالعربية الفصحى ليس من قبيل تعدد اللغات، وإنما تسطيح للعربية، وانتاج لنسخة هجينة هزيلة منها، وتعبير عن موقف هش أمام المد اللغوى للعولمة. 
لقد أثبتت اللغة العربية تاريخياً قدرتها على المشاركة والمساهمة فى بناء المعارف العالمية، من خلال الترجمة والتطوير المقابل، حين شهد العصر العباسى إنشاء وتنمية هارون الرشيد ثم المأمون «بيت الحكمة» فى بغداد، حتى أصبح نواة لتقدم معرفى ومنارة للعلوم امتد شعاعها لبقاع أخرى من العالم. 
الأجدر إذاً مواصلة دور أدته العربية سابقاً بجدارة، بالمقاومة الرزينة البناءة لمد العولمة الثقافية اللغوية، وتوسيع استخدام العربية واستمرار إثرائها بمفردات مهمة عملياً، حفاظاً على وقارها ومستوى دقتها وهو من الأعلى بين اللغات، تلك اللغة التى لا تعجز عن النماء والإنماء.