نبض الصحة| تقنية واعدة يقودها عالم مصرى بجامعة تكساس الأمريكية

 الخلية السرطانية
الخلية السرطانية


تخيل لو أمكن توجيه «جيش»، من الجسيمات الصغيرة، أصغر من خلية الدم، لتدخل إلى داخل الخلية السرطانية نفسها، ثم يتم تفيعلها عبر مجال مغناطيسى لتولد حرارة دقيقة تقتل الورم من الداخل دون المساس بالأنسجة السليمة.

هذا السيناريو الذى يشبه الخيال العلمى أصبح اليوم خطوة أقرب إلى الواقع، بفضل دراسة جديدة قادها الدكتور أحمد الجندى، الأستاذ بجامعة تكساس إل باسو الأمريكية وفريقه البحثى، ونُشرت فى دورية «بايوميديكال ماتريلز» المتخصصة.

اقرأ أيضًا| بروتين بكتيري جديد يدفع الخلايا السرطانية لتدمير نفسها ذاتيا

تقنية تتغلب على القيود

وعلى مدى سنواتٍ، كانت الجسيمات النانوية المغناطيسية، خصوصاً جسيمات أكسيد الحديد الفائق المغناطيسية، محوراً مهماً فى علاجات السرطان، فقد استُخدمت لنقل الأدوية، وتعزيز التصوير الطبى، وحتى رفع حرارة الأورام بهدف القضاء عليها.. لكن رغم هذه الإمكانات، ظلت هناك مشكلات حقيقية، وهى الحاجة إلى تركيزات عالية جداً لتحقيق تسخين فعال، ضعف ثباتها داخل الجسم، تكتل الجسيمات وفقدانها لقدرتها على الوصول للخلايا المُستهدفة، ومخاطر ارتفاع الحرارة على الأنسجة السليمة، وكان الحل فى جسيمات حديد نقية محمية بالكربون.

وقدم الفريق البحثى حلاً لهذه التحديات عبر تطوير جسيمات حديد نانوية فائقة المغناطيسية مُدمجة داخل مصفوفة كربونية، أطلقوا عليها اسم « SPINs»، وهذه البنية المزدوجة، وهى حديد نقى ذو مغناطيسية عالية، بالإضافة لطبقة كربونية واقية، توفر مميزاتٍ حاسمة، وهى حماية الحديد من الأكسدة داخل الجسم، منع التكتل وتحسين الانتشار فى السوائل الحيوية، والحفاظ على تشبع مغناطيسى مرتفع جداً يتجاوز 150 وحدة مغناطيسية كهربائية لكل جرام، أعلى بكثير من أكاسيد الحديد التقليدية، وتوليد حرارة فعالة داخل الخلية بتركيزات أقل وتحت مجالات مغناطيسية آمنة سريرياً.

ويقول الدكتور أحمد الجندى: «ما طورناه ليس مجرد جسيمات نانوية جديدة، بل منصة حرارية دقيقة تدخل الخلية السرطانية ذاتها وتستجيب للمجال المغناطيسى داخل حدود الأمان، فنحن نقترب من علاج أكثر استهدافاً وأقل ضرراً للأنسجة السليمة».

حرارة قاتلة داخل الخلية

واعتمد الفريق على مجموعة من تقنيات التحليل المتقدمة، وهى المجهر الإليكترونى الماسح، حيود الأشعة السينية وقياس المغناطيسية، لتأكيد نقاء الجسيمات، شكلها الكروى، وثباتها البنيوى.

اقرأ أيضًا| أمل جديد.. علاج سرطان الثدي في المرحلة الرابعة باستخدام الخلايا الشجيرية

وأظهرت التجارب على خلايا سرطان الثدى والبروستاتا، امتصاصاً فعالاً للغاية للجسيمات داخل الخلايا، قدرة على توليد حرارة محلية داخل الخلية عند تعريضها لمجال مغناطيسى متوافق مع المعايير السريرية، وانخفاضاً يقارب 50% فى بقاء الخلايا السرطانية بعد الجلسة الحرارية، دون ارتفاع فى سمية العلاج قبل تطبيق المجال المغناطيسى.

تغيير قواعد اللعبة

وتوضح الدراسة أن الجسيمات الجديدة لا تحتاج إلى تركيزات كبيرة لتحقيق التسخين المطلوب، مما يقلل بشكل كبير من مخاطر العلاج الحرارى التقليدى. كما أن المصفوفة الكربونية تضيف ثباتاً وملاءمة حيوية، مما يفتح الباب أمام استخدامات إضافية مثل: توصيل الأدوية، التصوير الطبى، والعلاجات المناعية والجينية..

ويضيف د. الجندى: أن «هذه الجسيمات، بفضل تصميمها البنيوى الفريد ومغناطيسيتها العالية، تمثل تقدماً مهماً فى مجال (الحرارة المغناطيسية داخل الخلايا)، وقد تمهد الطريق لتقنياتٍ علاجية دقيقة يمكن تطبيقها مستقبلاً فى السرطان، خصوصاً الأورام الصلبة التى يصعب الوصول إليها».

ويختتم د. الجندى حديثه قائلاً: «هدفنا الآن هو الانتقال من التجارب المعملية إلى النماذج الحية، تمهيداً لاعتماد هذه التقنية يوماً ما كجزء من بروتوكولات علاج السرطان».