حبر قلم

هيمنة الشرق الأوسط !

محمد عبيد
محمد عبيد


فى الوقت الذى يغرق فيه العالم فى أزمات جيوسياسية متلاحقة، حروب بالوكالة، توترات فى مضيق هرمز وباب المندب، واضطرابات سياسية داخلية فى أكثر من دولة عربية، أصدر الاتحاد الدولى للنقل الجوى «إياتا» تقريره السنوى الذى يحمل مفاجأة مدوية: منطقة الشرق الأوسط ستظل الأعلى ربحية فى صناعة الطيران المدنى عالميًا للعام الثانى على التوالى فى 2026، بمتوسط ربح صافٍ يصل إلى 28٫6 دولار لكل راكب، متفوقة على أمريكا الشمالية (24٫9 دولار) ومتقدمة بفارق هائل على أوروبا (8٫3 دولار فقط)..

الرقم ليس مجرد إحصائية؛ إنه شهادة على طفرة غير مسبوقة تحققت رغم كل التحديات. ففى السنوات الخمس الأخيرة، أغلقت مجالات جوية بأكملها، تحوّلت مسارات طيران آلاف الأميال، وارتفعت تكاليف التأمين على الطائرات فى المنطقة إلى الضعف أحيانًا، ومع ذلك نجحت دول الشرق الأوسط - وعلى رأسها الإمارات وقطر والسعودية - فى تحويل هذه الأزمات إلى فرص ذهبية. دبى والدوحة والرياض لم تعد مجرد محطات ترانزيت؛ صارت مراكز عالمية حقيقية تجمع آسيا بأوروبا وأفريقيا بأمريكا، مستفيدة من موقع جغرافى لا يمكن تعويضه ومن استثمارات ضخمة فى أساطيل حديثة ومطارات عملاقة تتجاوز طاقتها الـ 150 مليون مسافر سنويًا فى كل منها.

السر ليس فى غياب المشاكل، بل فى قدرة فائقة على إدارتها وتجاوزها. بينما تعانى شركات أوروبية من إضرابات عمالية متكررة وتأخيرات ملاحية وتكاليف بيئية مرهقة، استطاعت شركات الخليج الحفاظ على هامش ربح صافٍ يقترب من 4%، وهو الأعلى عالميًا. هذا النجاح لم يأتِ من فراغ؛ بل من رؤية استراتيجية طويلة الأمد بدأت قبل عقود، واستمرارية سياسات داعمة، وشراكات ذكية مع مصنّعى الطائرات، وتكللت اليوم بأرقام تتحدى المنطق الجيوسياسى.
نعم، المنطقة محاطة بالنار من كل جانب، لكن فى سمائها تحلق طائرات تحمل راية الريادة العالمية. الشرق الأوسط لم يعد مجرد ممر… صار الوجهة والقائد فى آن واحد.