تحقيق - نجوى الفضالى
استشارى تجميل: السوشيال ميديا خلقت نموذجًا مزيفًا للوجه المثالى
استشارى نفسى: تقليد الفنانات وتوافر المراكز المتخصصة وراء الظاهرة
أمين الفتوى: لا حرج شرعًا فى إجراء عملية لإزالة تشوّه خلقى
لم تعد معايير الجمال كما كانت قبل عقود، فعند قراءة روايات نجيب محفوظ ومشاهدة أفلام الزمن الجميل، نجد أن صورة المرأة كانت واضحة ومحددة: قوام ممتلئ يرمز للصحة، شعر قصير أنيق، شفاه نحيفة، وملامح طبيعية هادئة. تلك الصورة كانت انعكاسًا مباشرًا لثقافة مجتمع يستقبل الجمال كما هو، دون إعادة تشكيل أو تحسين مصطنع.
أما اليوم، فقد تحوّل الجمال إلى «قائمة اختيارات» لا تنتهي، وجسد المرأة تحوّل إلى مشروع قابل للتعديل، تضيف إليه ما تشاء وتحذف منه ما تشاء وفق رغبتها أو وفق ما يفرضه الترند.
عن تلك الظاهرة تروى لنا د. هبة صقر - استشارى الجلدية والتجميل قائلة : «نلتقى نساءً لا يحتجن أى تدخل طبي، لكن الظروف الضاغطة هى التى تدفعهن إليه» ، وتحكى عن واحدة من أغرب الحالات: امرأة ريفية شديدة الجمال طلبت حقن فيلر فى «العرقوب» خلف القدم، لأن حماتها كانت تسخر من نحافة قدمها، ولأن مجتمعها يرى أن القدم الممتلئة إحدى علامات الجمال.
اقرأ أيضًا| 3 طرق فعالة لتنظيف إسفنجة المكياج في دقائق
وتروى حالة أخرى: سيدة حضرت إلى العيادة بصحبة زوجها لإجراء غمازات صناعية. بحجة «الغمازة إجراء بسيط يتم عبر شق صغير داخل الفم، ثم وضع غرزة تربط العضلات بجلد الخد لتكوين الانطباع الغائر»، تمت العملية تحت بنج موضعي، لكن المفاجأة ظهرت بعد أسبوع، حين عاد الزوج طالبًا إضافة غمازة ثانية بجوار الأولى لزوجته. وتؤكد د. هبة أن مثل هذه المواقف تعكس كيف أصبح بعض الأزواج طرفًا مباشرًا فى قرار التجميل، بل ودافعًا أساسيًا له، وتضيف: «السوشيال ميديا خلقت نموذجًا مزيفًا للوجه المثالي، فأصبح البعض يطاردونه بلا توقف»، وترى أن التجميل لا يصبح مشكلة إلا عندما يتحول من علاج إلى هوس.
أين يبدأ الاضطراب؟
وفى شرح للدكتور جمال فرويز -استشارى الطب النفسي- قال إن «لكل إنسان صورة ذهنية لجسده داخل المخ، Body Image، وهى التى تحدد مدى رضاه عن مظهره» ، فإذا أحب الشخص صورته الداخلية، يرى نفسه جميلًا مهما اختلفت المعايير. أما إذا كرهها، فلن تشفع له عمليات الدنيا.
ويشير إلى تغيّر ثقافة الأجيال بفعل المقارنات اليومية، ووفرة مراكز التجميل بأسعار فى متناول الجميع، بعد أن كانت عمليات التجميل حكرًا على لبنان وتركيا وتايلاند.
محكمة تجميل
أما الدكتورة إيمان عبدالله -استشارى الأمراض النفسية- فترى أن السنوات الأخيرة شهدت انفجارًا فى ثقافة المقارنات بين النساء. وأن مصطلحات مثل: التاتو - النفخ - الشد - النحت - التكميم - تحويل المسار أصبحت تُقال يوميًا كما لو كانت جزءًا من المكياج ، وتفسّر هذا الانجراف بثلاثة عوامل رئيسية: أولها ضغط السوشيال ميديا وتكرار المقارنات، ثم سهولة الوصول لعمليات التجميل، وكذلك تقليد الفنانات والبلوجرز اللواتى يلهثن وراء صورة «لا تشيخ» حفاظًا على جماهيرهن.
ثقافة الصورة
تؤكد د. إيمان أن الفلاتر أصبحت البديل «الرخيص» للتجميل، فالمرأة التى لا تملك تكلفة العمليات تلجأ إلى الفلتر بحثًا عن لياقة شكلية أمام المجتمع، واللافت أن هذه الظاهرة لا تقتصر على فئة معينة: من بائعة فى الشارع إلى طبيبة جامعية إلى مؤثرة مشهورة.
موجات التنمر
تربط د. إيمان جزءًا كبيرًا من الظاهرة بموجات التنمر المتصاعدة. فالمرأة -مهما كان مستواها- أصبحت تخشى تعليقًا جارحًا قد يهدم ثقتها ويدفعها للتغيير رغمًا عنها وتضيف د. إيمان أن البعض يختبئ خلف عبارة «الله جميل يحب الجمال» لتبرير عمليات لا تنتهي، بينما التجميل الحق هو ما يتم لحل مشكلة صحية أو تشوّه… لا لتغيير خلق الله من أجل إرضاء الآخرين.
اقرأ أيضًا| أمينة خليل تكشف سبب رفضها عمليات التجميل: لو حقنت وشي هيتجمد
سطوة الإعلان
إعلانات أطباء التجميل -كما تقول د. إيمان- تلعب دورًا كبيرًا فى تعزيز الظاهرة. فالعيوب الصغيرة تُضخَّم، والكاميرا «لا ترحم»، والأنظمة التقسيطية تجعل العمليات متاحة للجميع.
إدمان التجميل
تنبه د. إيمان إلى أن العمليات ترفع الأدرينالين وتخلق نشوة، لكن أثرها قصير جدًا. ينخفض الدوبامين سريعًا، فتعود المرأة للشعور بالنقص، وتبحث عن عملية أخرى، وهنا يصبح الطريق إلى الطب النفسى أقرب من الطريق إلى الجمال.
صناعة تتضخم عالميًا
وتكشف الإحصاءات الدولية -آخر رصد صدر عام 2019- أن عدد عمليات التجميل حول العالم بلغ 11.3 مليون عملية جراحية تجميلية، وهو رقم مهول يعكس حجم التحوّل فى ثقافة الجسد عالميًا ، وتشير البيانات إلى أن 92٪ من المقبلين على عمليات التجميل حول العالم هم من النساء، ما يؤكد أن الضغوط المجتمعية والنفسية والإعلامية تقع بنسبة أكبر على كاهل المرأة ، أما فى مصر، فقد أظهرت التقارير أن 65٪ من النساء أجرين نوعًا من عمليات التجميل خلال السنوات الأخيرة، سواء كانت جراحات كبرى أو تدخلات بسيطة مثل الفيلر والبوتكس، وهو رقم يكشف إلى أى مدى تغيرت صورة الجمال فى الوعى الجمعى المصري، وازداد تأثير المقارنات وفوضى «الترند».
إصلاح العيوب
وفى السياق الديني، يوضح الدكتور خالد عمران، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الجمال مطلب شرعي، مستشهدًا بقول النبى : «إن الله جميل يحب الجمال»، مضيفًا أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. غير أن السؤال حول عمليات التجميل واسع للغاية، لأن هذا النوع من العمليات ليس على درجة واحدة من الحكم، ويشير إلى أن الإنسان يمر فى حياته بثلاثة أطوار شرعية:
طور الضرورة، طور الحاجة، طور التحسين، طور الضرورة يرتبط بحفظ الضروريات الخمس: العقل، والنفس، والدين، والعِرض، والمال. وفى هذا الإطار، إذا كان العضو مهددًا أو يمثل خطرًا على الإنسان، فالضرورة تبيح التدخل الطبى لحمايته، أما إذا كانت الجراحة لإزالة عيب أو تشوّه يسبب أذى ظاهرًا أو يعوق وظيفة من وظائف الجسد، مثل أن يكون الأنف كبيرًا بشكل غير معتاد يشوّه الخِلقة أو يعيق التنفس، فلا حرج شرعًا فى إجراء عملية لإزالة التشوّه دون إحداث ضرر آخر، لكن إذا كانت الجراحة بهدف زيادة الحسن فقط دون وجود عيب أو ضرر، فهنا تدخل فى باب تغيير خلق الله، وهو مما نهى الله عنه فى قوله تعالى:
«لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ»، وذلك لأنه من عمل الشيطان، ولا يجوز إلا لضرورة أو حاجة معتبرة.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







