قضية ورأى

كيف تديرالخوارزميات العالم ؟

د. محمد شومان
د. محمد شومان


على مستخدمى وسائل التواصل التقليل من المعلومات الشخصية، وعلى الحكومة إصدار قانون يلزم المنصات بالإفصاح عن قواعد عمل الخوارزميات

نقرأ أو نستمع كثيرًا عن الخوارزميات، ويقال إنها تدير العالم وتتلاعب بالرأى العام، لأنها تحدد ما يمكن أن تشاهده عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعى، وقد تبرز أو تخفى حدثًا أو إعلانًا بحسب مصالح الشركات التى تستخدمها. وفى عجالة مختصرة يقصد بالخوارزميات، القواعد والحسابات التى تستخدمها المنصات مثل فيسبوك وإنستجرام وتيك توك لاختيار المحتوى الذى يعرض لكل مستخدم، وفق ترتيب معين. 

تعمل هذه الخوارزميات على تحليل بيانات المستخدمين السلوكية - ما يشاهدونه، ما يقرأونه، ما يحبونه، وما يشاركونه - للتنبؤ بما سيجذب انتباههم ويجعلهم يقضون وقتًا أطول على المنصة.. ولكل منصة من هذه المنصات الخوارزميات الخاصة بها والتى لا تفصح غالبًا عن طريقة عملها. 

والخوارزميات ليست ثابتة، وإنما تتغير من فترة إلى أخرى بحسب عادات كل مستخدم وطبيعة مشاهداته وتفضيلاته، والأوقات التى ينشط فيها، وتفاعلاته، علاوة على تحديثات المنصة نفسها وأنواع الإعلانات التى ستعرضها على المستخدم. بكلمات أخرى الخوارزميات تتعلم ما تفضله من خلال ما تشاهده أو تشاركه أو تتابعه، وتعرضه لك بانتظام.. إنها قادرة على معرفة ما الذى يجعلك تغضب؟ وما الذى يخيفك؟ وما الذى يرضيك؟ وما الذى يسعدك؟ ثم تغرقك بكميات هائلة ومتنوعة بما يتفق مع آرائك، وبالتالى تجعلك حبيس هذه الأفكار والآراء أو ما يعرف بفقاعات التصفية وغرف الصدى، حيث ستعتقد أن العالم كله يفكر مثلك، بينما فى الحقيقة أنت محاصر داخل زنزانة رقمية مصممة خصيصًا لك!! وعلى سبيل المثال إذا اكتشفت الخوارزميات أن مشاهدة مقاطع أهداف كرة القدم لفريق معين تسعدك، فإنها سترسل لك مزيدًا من المقاطع والأخبار لهذا الفريق، وستظهر لك منشورات المشجعين له وأفكارهم حول فريقهم العظيم، وتشيطن الفرق الأخرى.

لكن الأخطر هو التلاعب بالرأى العام على المستوى السياسى والاجتماعى، وقد أثبتت عديد من الدراسات كيف نجحت بعض الخوارزميات التابعة لحملات انتخابية معينة فى إغراق الناخبين بمحتوى معين يتفق مع البرنامج السياسى لأحد المرشحين، من دون أن تقول لهم انتخبوا هذا المرشح، لكن المحتوى الذى سيقدم لهم من أخبار وصور وفيديوهات جعلهم يختارون هذا المرشح باعتباره الأفضل. مع ملاحظة أن الخوارزميات حجبت البرامج السياسية للمرشحين الآخرين أو لم تظهرها إلا فى مرات قليلة وفى سياقات سلبية. 

إذن السؤال الذى قد يتبادر إلى الذهن كيف نتحرر من سطوة الخوارزميات؟ هناك بعض الطرق والأساليب منها ما هو شخصى أو قانونى أو تنظيمى.
أولًا: على المستوى الشخصى:

1- التعامل النقدى الواعى مع ما يقدم من محتوى عبر منصات التواصل الاجتماعى، أو فى المواقع المختلفة، والحرص على تنويع مصادر المعلومات والمقارنة بينها.

2- التقليل من المعلومات الشخصية التى تضعها فى حسابك على وسائل التواصل الاجتماعى مثل عنوان السكن والمهنة والعمر وغيرها، لأن هذه المعلومات تمكنها من إرسال مزيد من الإعلانات الذكية التى تتماشى مع عمرك وطبيعة عملك ومكان السكن.

3- الحرص فى إعدادات الحسابات الخاصة بك على معرفة هل المنصة تتيح عرض المنشورات بحسب ترتيب زمنى أو بدون توصيات، ومن الأفضل اختيار عرض المحتوى بالترتيب الزمنى وليس بناء على اختيار الخوارزميات.

4- مراجعة إعدادات الخصوصية فى حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعى بحيث تقصره على الأصدقاء فقط، وتحذف الأصدقاء غير المعروفين، ولا تسمح للمنصة بالوصول إلى جهات الاتصال، والكاميرا، والميكروفون وغيرها.  

5- لا تتفاعل كثيرًا مع المحتوى المنشور على منصات التفاعل الاجتماعى، لأن هذه التفاعلات تكشف عن جوانب مهمة من حياتك وعلاقاتك وتفضيلاتك، وهى معلومات مهمة تستخدمها الخوارزميات فى تحليل شخصيتك ومعرفة ميولك واحتياجاتك.

ثانيًا: على المستوى القانونى والتنظيمى: قامت عديد من الدول بإصدار قوانين تلزم المنصات بالتصريح بقواعد عمل الخوارزميات ما يحقق الوضوح والشفافية، ويتيح للجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدنى والمواطنين مراقبتها، وكان للاتحاد الأوروبى السبق فى هذا المجال حيث أصدر قانون الخدمات الرقمية DSA، إضافة إلى قوانين حماية خصوصية البيانات. وأعتقد أنه من الضرورى إصدار قانون فى مصر ينظم عمل الخوارزميات التى تعرض المحتوى للمواطنين، مع مطالبة الأمم المتحدة بإصدار مواثيق شرف خاصة بتطوير عمل الخوارزميات وإتاحة معرفة قواعد عملها لكل من يطلبها من المستخدمين.