شهدت القاهرة مؤخراً، زيارة مميزة لرئيس مؤسسة صندوق "JOIN" الياباني، المتخصص في الاستثمار بمشروعات البنية التحتية والنقل، إلى متحف السكة الحديد.
عبر المسؤول الرفيع عن انبهاره الشديد بالتقدم التقني الذي وصلت إليه السكك الحديدية المصرية مع بداية تأسيسها في منتصف القرن التاسع عشر، إذ كانت قطاراتها تضارع نظيرتها الأوروبية، في وقت كانت فيه إمبراطوريات كبرى لا تزال تعتمد على جر العربات بالخيول.
وقد تحول هذا الانبهار إلى رغبة فعلية في التوجه لتوقيع اتفاقيات تعاون مع هيئة السكة الحديد، وهو ما يعد دليلاً عملياً على قوة التاريخ كجاذب للاستثمار وبناء الثقة.
من هذا المنطلق، تؤكد مصر أن بناء مستقبل حديث يتسابق مع الزمن ويلحق بركب التطور التكنولوجي العالمي، لا يقوم إلا على أساس صلب من التاريخ العظيم. وقد جسدت رؤية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه الحكمة بوضوح: "من تاريخنا المشرف نبني مستقبلنا". وتم ترجمة هذه الرؤية إلى خطوات ملموسة عبر إقامة متاحف تحفظ تاريخ الأمة، مثل المتحف القومي للحضارة الحاضن لمومياوات ملوك مصر، وطريق الكباش في الأقصر، وصولاً إلى المتحف المصري الكبير، الذي دفع بمصر إلى قائمة الدول الأكثر جذباً للسياحة الثقافية عالمياً منذ افتتاحه الجزئي في نوفمبر الماضي.
ولم يكن الربط بين عراقة الماضي وطموح المستقبل ليتجلى بأوضح صورة منه في العاصمة الجديدة، التي استلهمت تصاميم مبانيها من روح العمارة المصرية القديمة، مؤكدة استمرارية الهوية المصرية عبر آلاف السنين وصولاً إلى آفاق المستقبل، في رسالة قوية أن الشعب المصري سلسلة حية من الأجيال المتعاقبة المتكاتفة.
وإذا كانت مصر هي أقدم دولة في التاريخ الإنساني، فهي أيضاً من أقدم دول الشرق الأوسط التي أسست النظام الحكومي بشكله الحديث، بمسميات وزارية واضحة وقسم للحفاظ على الوطن ورعاية مصالح الشعب، وذلك مع تشكيل أول حكومة مصرية عام 1878 برئاسة النوبار باشا. ومع مرور 147 عاماً على مسيرة الحكومات المصرية المتعاقبة، يلاحظ غياب متحف مركزي يؤرخ لهذا التاريخ الحديث، على عكس المتاحف المتخصصة الموجودة، مثل متحف السكة الحديد والبريد والمطافئ والعربات الملكية.
لذا، يبرز اقتراح بإنشاء "متحف مفتوح لتاريخ مصر الحديث والحكومة" في العاصمة الجديدة، ليضم نماذج مهمة من مقتنيات قطاعات مثل النقل (القطارات والترام)، والآلات القديمة (ماكينات الغزل والنسيج والمصانع)، والبريد، وعربات المطافئ التاريخية.. سيشكل هذا المتحف حلاً رائعاً يربط بين ثلاثية: مصر القديمة، ومصر الحديثة بمؤسساتها، والمستقبل الذي يتم بناؤه على مبادئ الجمهورية الجديدة التي تحترم الماضي لتنطلق نحو الغد.
كما سيكون هذا المتحف عامل جذب قويًا للزائرين والأسر المصرية، ليبقوا فترات أطول بالعاصمة الجديدة، مما ينعش حركة الاقتصاد ويخلق فرص عمل، على غرار تجارب إقليمية ناجحة لمتاحف "هيكلية" تعبر عن هوية شعوبها وتجذب السياح. وليس ذلك فحسب، بل يمكن للمقترح أن يتوسع بحيث تضع كل وزارة في مقرها بالعاصمة الجديدة، بعض مقتنياتها النادرة أو الرمزية في صالة الاستقبال، ليراها كل زائر أو مستثمر أو دبلوماسي.
إن الدقائق التي يقفها الزائر متأملاً هذه المقتنيات، تترك أثراً نفسياً عميقاً ورسالة صامتة مفادها أن لهذه الدولة وحكومتها تاريخاً عريقاً وحضارة إدارية ضاربة في القدم.. فزيارة المسؤول الياباني لمتحف السكة الحديد وتأثره بها، هي خير برهان على أن التاريخ المشرف ليس ذكرى فحسب، بل هو رصيد قوة ودافع ثقة لبناء مستقبل أكثر إشراقاً.
• مدير تحرير المصري اليوم

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







