وثيقة الأمن القومي الأمريكية تعلن حربًا باردة من نوع آخر على التكامل الأوروبي

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية


كشفت وثيقة الأمن القومي الأمريكية الجديدة عن تبنّي إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب رؤية صدامية مباشرة مع مشروع التكامل الأوروبي.

وتظهر الوثيقة، التي صدرت في 4 ديسمبر، أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع أوروبا باعتبارها شريكًا طبيعيًا، ولكن ككتلة سياسية يمكن احتواؤها أو تفكيكها عبر دعم القوى اليمينية القومية، بالتوازي مع محاولة إعادة تشكيل العلاقة مع روسيا على أسس "تفاهم إمبريالي" جديد.

وأشارت الوثيقة، بحسب مجلة «فورين بوليسي»، إلى أن واشنطن ترى أمنها العالمي من منظور مغاير تمامًا لما عرفته القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة، حيث تظهر الاستراتيجية الجديدة رغبة أمريكية في إنهاء الدعم المستمر لأوكرانيا، وإعادة ترتيب خريطة النفوذ في القارة بما يسمح لروسيا باستعادة مساحات تأثيرها التاريخية، مقابل تفاهمات سياسية وتجارية تخدم البيت الأبيض.

وتضع هذه الاستراتيجية أوروبا بين خيارين أحلاهما مُر، «إما الاعتماد على نفسها لأول مرة منذ عقود، أو مواجهة واقع يتمدد فيه خصمان في آن واحد؛ روسيا من الشرق، وولايات ترامب المتحدة من الغرب».

وهذا التحول، كما تكشف الوثيقة، لا يتعلق فقط بإعادة توزيع النفوذ الدولي، وإنما يضع مشروع الاتحاد الأوروبي نفسه ـــ بوصفه تجربة سياسية واقتصادية عابرة للحدود ـــ  في قلب "حرب باردة جديدة"، هدفها ليس الصدام العسكري، لكن.. «تفكيك التماسك الأوروبي وإعادة القارة إلى مربع التنافس الوطني الضيق».

اقرأ أيضًا| فيديو| المفوضية الأوروبية تخطط لقرض تعويضات.. من سيستفيد أولا من أموال روسيا؟


أوروبا تكتشف الحقيقة المتأخرة.. "وحيدة في الميدان"

أفادت «فورين بوليسي» بأن الحكومات الأوروبية بدأت تدرك أن العلاقات مع واشنطن لم تعد تستند لأي التزام تلقائي من الجانب الأمريكي.

وتشير المجلة إلى أن الأوروبيين خدعوا أنفسهم طوال السنوات الماضية بالاعتقاد أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب متقلب ويسهل احتواؤه، بينما تكشف الوثيقة أنه كان يتحرك وفق رؤية واضحة تجاه القارة، وهي «إعادة تقوية روسيا، وإضعاف أوروبا، وتشجيع القوى القومية اليمينية داخل الاتحاد».


رؤية أمريكية متماسكة لتقسيم أوروبا

كشفت المجلة أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة تؤكد أن إدارة ترامب تعتبر أوروبا ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوى، مشيرة إلى أن واشنطن تعطي الأولوية لبناء علاقات مع موسكو على حساب التماسك الأوروبي.

وأضافت أن هذا التوجه ظهر مبكرًا في خطاب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن، والذي شن فيه هجومًا مباشرًا على القيم الأوروبية، واعتبر أن القارة "فقدت هويتها".


انحياز أمريكي متكرر لموسكو في حرب أوكرانيا

أوضحت المجلة أن كل فرصة سنحت للإدارة الأمريكية للتدخل في الملف الأوكراني، انتهت بانحياز واضح لروسيا:

من "فخ" اللقاء الذي نُصب للرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي، إلى استقبال بوتين في ألاسكا، إلى "خطة السلام" المكوّنة من 28 نقطة والتي يُرجح أنها صيغت في موسكو.

وأضافت المجلة أن الأوروبيين ابتلعوا كل هذه المواقف بينما يحاولون الحفاظ على الحد الأدنى من الشراكة عبر الأطلسي.

 

دعم أمريكي لليمين المتطرف لتفريغ الاتحاد الأوروبي من الداخل

 

أفاد التقرير أن دونالد ترامب يرى أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية يعرقل مشروعه الأكبر، وهو: إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والسياسية مع روسيا.

وقالت المجلة إن هذه الرؤية تأتي ضمن تصور أوسع يُشجع "التفاهم الإمبريالي" بين واشنطن وموسكو وبكين، بينما تُترك بقية دول العالم ـــ ومنها أوروبا ـــ كخيارات قابلة للضغط أو الاحتواء.

وأشارت «فورين بوليسي» إلى أن الاستراتيجية الجديدة تتلاقى مع صعود اليمين المتطرف في أوروبا، مؤكدة أن واشنطن ترى في هذه القوى أداة لتقويض التكامل الأوروبي وتشجيع النزعات الانفصالية، وأوضحت المجلة أن قوى يمين الوسط في أوروبا تتحول ـــ بوعي أو بدونه ـــ إلى "أدوات مفيدة" لهذا المشروع.

اقرأ أيضًا| بين التهديدات والمفاوضات.. هل السلام في أوكرانيا أصبح بعيد المنال؟


رسالة الوثيقة: التحالف الوحيد المقبول هو بين واشنطن واليمين الأوروبي

أكدت الوثيقة أن الشكل الوحيد للعلاقة عبر الأطلسي الذي تقبله إدارة دونالد ترامب هو تحالف سياسي مع القوى اليمينية الشعبوية، على أساس يقود فيه الأمريكيون المشهد بينما تلعب الأحزاب الأوروبية دور التابع.

وقالت المجلة إن هذا التطابق يكاد يكرر حرفيًا الاستراتيجية الروسية تجاه أوروبا.


فشل أوروبا في كبح واشنطن.. وعدم جدوى الإطراء

أفاد التقرير أن محاولات أوروبا لاسترضاء دونالد ترامب ـــ من الهدايا إلى الحفلات الرسمية ـــ لم تُغيّر شيئًا في توجهات واشنطن.

وأن زيارة الوفود الأوروبية أو تقديم مبادرات سلام بديلة لم تعد تؤثر في القرار الأمريكي، لأن الرؤية الأساسية لـ البيت الأبيض تجاه الحرب الروسية الأوكرانية لم تتغير.


التحدي الأكبر.. «أوروبا تواجه خصمين في وقت واحد»

ذكرت المجلة أن أوروبا تواجه اليوم وضعًا غير مسبوق، وهو: خصم استراتيجي في الشرق هو روسيا، وشريك غير موثوق في الغرب هو الولايات المتحدة.

وأكدت أن أوروبا لا يمكنها الاعتماد على "تعثر" بوتين لعرقلة أي اتفاق أمريكي ـــ روسي.

وأشارت المجلة إلى أن عددًا من الدول الأوروبية ـــ بينها ألمانيا وفرنسا وبولندا ودول الشمال والبلطيق ـــ أدركت أن أمن أوروبا لا يمكن فصله عن بقاء أوكرانيا، وأوضحت أن سقوط كييف لن يوقف الحرب الروسية الأوكرانية، بل يفتح جبهات جديدة قد تمتد إلى قلب أوروبا.

وأكدت المجلة أن توقف الدعم الأمريكي ترك أوروبا المصدر الرئيسي:

للعقوبات المؤثرة على روسيا، ولتمويل الاقتصاد الأوكراني، ولتقديم معظم المساعدات العسكرية، وللسيطرة على معظم الأصول الروسية المجمدة.

كما أن جزءًا كبيرًا من الدفاع الأوكراني اليوم أصبح قائمًا على الصناعة المحلية التي تمولها أوروبا، لكن واشنطن لا تزال عنصرًا لا غنى عنه.

حيث أوضحت «فورين بوليسي» أن الولايات المتحدة لا تزال ضرورية في مجالات: المعلومات الاستخباراتية، واعتراض المسيرات والصواريخ، وتحديد الأهداف داخل روسيا، وتوفير الأسلحة التي لا تنتجها أوروبا.

وأفاد التقرير بأن أوروبا ترفع إنفاقها الدفاعي لتقليل نقاط ضعفها، لكنها في الوقت نفسه تزيد من اعتمادها على الأسلحة الأمريكية، الأمر الذي يُطيل أمد التبعية لـ الولايات المتحدة ويخلق معضلة استراتيجية طويلة المدى.


ما الذي تحتاجه أوروبا؟

أكدت المجلة أن أوروبا تمتلك الأدوات اللازمة لمنع سقوط أوكرانيا، لكنها تفتقر لعنصرين رئيسيين:

1- تركيز واضح على الهدف الاستراتيجي بدل الانشغال بالخلافات قصيرة المدى.

2- شجاعة سياسية للذهاب إلى واشنطن وإبلاغ ترامب بأن أوروبا قادرة على إدارة الحرب الروسية الأوكرانية، مع طلب استمرار المعلومات الاستخباراتية فقط.

واختتمت المجلة بأن أوروبا لا تستطيع إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية اليوم، لكنها تستطيع خلق شروط سلام مستقبلي مستقر.

وأضافت أن أوروبا يمكنها ـــ إذا لزم الأمر ـــ أن تُهدِي دونالد ترامب "ساحة أو نصبًا تذكاريًا ذهبيًا" عندما يحين وقت السلام، طالما أنه يسمح لها بالحفاظ على أمنها الجماعي حتى ذلك الحين.

اقرأ أيضًا| كيف سيؤثر اجتماع فلوريدا على مسار الحرب الروسية الأوكرانية؟