لاشبهة في كمال عقلها، للحجر عليها بتهمة الجنون والسفه، وتبديد المال، ولولا أنها من ذوات الارادة الحديدية والإيمان بسلامة فكرتها لانهارت وتراجعت خشية حرمانها من مالها، وخشية الزج بها مع المصابين في عقولهم.. وبالتصميم والإصرار اجتازت عقبة التهديد بالحجر عليها، وحققت حلم عمرها.
إنها مفيدة محمد غنيم، التي عرفت فيما بعد باسم الفنانة عزيزة أمير، والتي أيضا عشقت التمثيل السينمائي الذي لم يكن ولد في مصر.
حيث توسط أحد أصدقاء أبيها لدى الفنان يوسف وهبي، أن يتيح لها العمل بالتمثيل المسرحي، فاختبرها واقتنع بها، ومن الوهلة الأولى أسند اليها بطولة مسرحية ثم أخرى، لكن المسرح لم يرضيها، حيث عينيها كانت على السينما، بعد أن وجدت بين يديها ميراثا عن والدها الذي توفي، ويصلح الميراث نواة لإنتاج سينمائي تنتجه وترضي هوايتها السينمائية بتمثيل بطولة فيلم، وبالفعل وضعت بيدها القصة التي قررت انتاجها، وأرادت أن تدعم رأس مالها الذي ستبدأ به بناء صرح فني اقتصادي، وتشق به الطريق إلى إقامة صناعة فنية.
وذهبت إلى بنك مصر الذي كان قد قام لإنشاء صناعات وطنية برؤوس اموال مصرية، ونجحت جهوده في تكوين أكثر من شركة لهذا الغرض.
وتقابلت مع رجل بنك مصر الاول، والعضو المنتدب محمد طلعت حرب بك، الذي لقبه المصريين، بزعيم مصر الاقتصادي، والذي اذا ماوضعت بين يديه مشروعها بحماس، تحلم متمنية أنه سيكون لها مابعدها من خير يعم.
وبحسب مانشرته جريدة أخبار الحوادث عام ١٩٩٢، أن طلعت بك حرب كان صديقا لعائلتها، وبقدر ما رحب بزيارتها، بقدر ماتجهم عليها عندما عرف انها جاءت تطلب سلفة من بنك مصر لتدعيم رأس مالها لإنتاج سينمائي.
وأخذ يحتد معها بالكلام، ينظر اليها بدهشة تتعاظم فوق وجهه، وينظر اليها وكأنها فتاة خبالية، وأنها مقبلة على مشروع فاشل، واستمع اليها يجول بخاطره أن المحاولات السينمائية آنذاك لم تكن أكثر من ارهاصات بدائية، وهي في أيدي الخواجات لايزال الوقت بعيدا حتى تنتصر الصناعة السينمائية، التي تعدو على استحياء وتردد.
اقرأ أيضًا| أسمهان.. علاقتها بـ محمد التابعي وسر الرقم 13
جلس طلعت بك حرب يستمع، ولم يفصح وجهه عن ارتياح للمشروع، وأطلق قذيفته قائلا لها: آسف يامفيدة يابنتي.. فلوس بنك مصر.. فلوس ناس ما اقدرش اغامر بيها في مشروع غير مضمون، لكنها عادت تعيد الفكرة التي مؤمنة بها، واستنفذت كل قواها في الشرح والاقناع، وجاءها الرد الحاسم النهائي لطلعت بك حرب قائلا: دي فكرة مجانين.. الخسارة فيها مضمونة أكثر من الربح.. يجب العدول عن هذه الفكرة نهائيا .
ويستكمل.. حرام عليكي.. تضيعي الميراث في اوهام.. ثم انا مضطر بوصفي صديق العائلة. وتهمني مصلحتك، أن احرض عليكي العائلة لتطلب الحجر عليكي، ومنعك من التصرف في مالك بتهمة السفه والجنون.
استشاطت عزيزة أمير غضبا، واعفت طلعت بك حرب من طلب السلفة، وأعلنت أنها ماضية في مشروعها برغم التهديد، وباصرار شديد لتحقيق حلم الفتاة الحائرة باحلامها، نجحت وانتجت فيلمها الأول (ليلى) الذي عرض في ١٦ نوفمبر عام ١٩٢٧ على شاشة سينما مترو بول بالقاهر، وفي ليلة العرض حرصت على دعوة طلعت بك حرب لمشاهدة الحلم الذي تحقق، وفوجئ الرجل باقبال المصريين على أول فيلم روائي طويل كامل، وأخذوا يهتفون بحياة عزيزة أمير.
وبشجاعة تقدم طلعت حرب اعترف لها بأنها كانت ابعد نظرا منه، وهنأها، وبعد ٨ سنوات، وفي ١٢ أكتوبر ١٩٣٥، كان قد أمر بنقل بنك مصر في هذا الميدان الجديد، وافتتح ستوديو مصر ليكون اقتصاديا وفنيا، وأصبح هرم مصر الرابع كما اسمته الصحف في الاربعينيات.

92عامًا من صناعة الوعي .. ذكرى تأسيس الإذاعة المصرية أكبر خزائن الزمن الجميل
أبو ضحكة جنان.. مأساة «أيقونة الكوميديا» إسماعيل ياسين
سليمان نجيب.. لماذا رفض الزواج طوال حياته؟







