الكحل، الذي يعتبر اليوم من أدوات التجميل الشهيرة، ليس مجرد موضة حديثة أو أداة تجميلية عابرة، بل هو اختراع قديم جداً يعود إلى المصريين القدماء، تعود بداية استخدام الكحل في مصر إلى الفترة بين 4000 و3500 قبل الميلاد.
وظهرت نقوش قديمة تُظهر العيون بشكل بارز، مثلما كان يتم تصوير الإله رع. ومع مرور الوقت، أصبح الكحل جزءًا من هوية المصريين القديمة، يُستخدم بشكل واسع بين الملكات والنبلاء وحتى بين العمال.
◄ أغراض عقائدية وسحرية
أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن ما يُعرف عالميًا اليوم بالكحل أو الـ"Eyeliner" ليس مجرد أداة تجميل، بل ابتكار مصري خالص تعود جذوره إلى ستة آلاف عام.

ويكشف «ريحان» في دراسة حديثة أن المصريين القدماء لم يستخدموا الكحل للتزيين فقط، بل وظفوه للحماية من الشمس والأمراض، ولأغراض عقائدية وسحرية، حتى أصبح جزءًا من هوية المصري القديم ورمزًا للجمال في العالم كله.
وأضاف الدكتور عبد الرحيم ريحان أن بدايات الكحل ظهرت في مصر بين عامي 4000 – 3500 قبل الميلاد، حيث جسدت النقوش عيون المعبود رع محددة بطريقة بارزة، كما استخدمه الملوك والعمال على حد سواء، ليصبح أحد أقدم مستحضرات التجميل في التاريخ.
◄ الرسم الفرعوني للعيون
ويشير إلى أن انتشار المكياج الأسود الكثيف عالميًا يعود بجذوره إلى هذا الإرث المصري القديم، ولا يزال مستخدمًا حتى اليوم في مناطق عديدة بشمال أفريقيا وآسيا الوسطى، موضحًا أن المصريين لجؤوا للكحل لحماية العين من وهج الشمس الصحراوية ومن أمراض العيون، ولهذا كان يُوضع للأطفال حديثي الولادة دون تمييز بين الذكور والإناث.

كما نُسب للكحل بُعد سحري مرتبط باستدعاء بركة الآلهة حورس ورع، إذ تظهر العيون المصورة على التوابيت مفتوحة باعتقاد أنها تُمكّن المتوفى من رؤية العالم حوله. ويضيف أن الرسوم المصرية القديمة التي ما زالت تحتفظ بألوانها تظهر حرص قدماء المصريين على رسم أعينهم بدقة، وهو ما أطلق عالميًا مصطلح «الرسم الفرعوني للعيون».
واشتهرت الملكتان كليوباترا ونفرتيتي باستخدام الكحل الأسود مع ظلال العيون الزرقاء، وهو الأسلوب الذي ألهم فنون الجمال الحديثة حتى ظهرت في عام 2017 المطربة ريهانا مجسدة وجه نفرتيتي على غلاف مجلة "فوغ أرابيا".
◄ الكحل في التراث القبطي
ويشير «ريحان» إلى اكتشاف أوعية الكحل والزيوت العطرية في المقابر منذ فجر التاريخ، حيث استخرج المصريون الكحل من الملخيت الأخضر الغني بالنحاس بسيناء والصحراء الشرقية، ومن الجالينا الرمادية القريبة من أسوان وسواحل البحر الأحمر.
وكانت هذه المواد تُحفظ في أكياس جلدية أو كتانية، وتُخلط بالماء أو الدهون الحيوانية أو الزيوت لصنع معجون يسهل وضعه حول العين.

وأشار إلى أن معظم أنواع الكحل القديمة كانت من كبريتيد الرصاص ممزوجة بالأعشاب مثل الزعفران والشمر، مما يمنحه خصائص مضادة للميكروبات. كما تنوعت أوعية تخزين الكحل في أشكالها ومواد صنعها، وعُثر عليها بكثرة في مقابر النبلاء والسيدات.
اقرأ ايضا| التخدير بالعسل والكحل للحماية من السحر| 10 عادات مدهشة من مصر القديمة
وأضاف أن للكحل حضورًا بارزًا في التراث القبطي، حيث يرتبط بعادة الاكتحال في سبت النور الذي يسبق عيد القيامة المجيد، وهي عادة ترجع جذورها إلى المصريين القدماء.
◄ الكحل في الأغاني والتراث الشعبي
لفت «ريحان» إلى أن الكحل احتل مكانة مميزة في الفن المصري؛ فقد تغنى به كارم محمود في «يا كحل العيون»، وعبد العزيز محمود في «يا مزوق يا ورد في عود»، وصولًا إلى الموروث البدوي مع محمد الكحلاوي.

كما ارتبط الكحل بالأمثال الشعبية التي تحمل دلالات متعددة مثل:
- جه يكحلها عماها
- يَسْرَق الكحل من العين
- جبال الكحل تفنيها المراود
وفي تفسير الأحلام، يرى البعض أن الكحل رمز للمال والهداية وتحسن البصر، وتُفسر رؤية المرأة البكر تتكحل بأنها مقبلة على زواج.
◄ المواد المستخدمة وطريقة التطبيق في مصر القديمة
أوضح ريحان أن «المرود» المستخدم لتطبيق الكحل كان يُصنع من الخشب أو العظم أو العاج، ويُغمس في خليط من المساحيق والدهون لوضع خط كامل فوق العين يمتد للخارج.

وكان المصريون ينتجون الكحل الأسود من السخام المخلوط بالجالينا، واللون الأخضر من خليط المرمر والجالينا مع النحاس والسيليكون والتلك وبودرة قشر اللوز والدهون الحيوانية، وكانت بعض النساء يعتقدن أن "المرمر" مستمد من المعبودة حتحور آلهة الجمال والحب.
◄ الكحل عبر العصور الحديثة
يشير ريحان إلى أن الكحل اكتسب شهرة عالمية جديدة بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 بسبب التغطية الإعلامية الواسعة، مما أدى لعودة موضة العيون الكحيلة في أوروبا والعالم.
ومع تطور مستحضرات التجميل ظهر الكحل السائل منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أن دراسات طبية أثبتت انتقال أجزاء منه إلى داخل العين، مما قد يسبب تشوشًا في الرؤية.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







