ما دعانى إلى كتابة هذه الخواطر هو فخرى اللامحدود بافتتاح المتحف المصرى الكبير بعد طول انتظار
على امتداد سنوات دراستى فى كلية الطب، التقيت عددا من الزملاء فى دفعتى الذين حملوا اسم مترى، وكان الاسم غريبا على أذنى آنذاك، وإن كان بعض من زملائى الآخرين أخبرونى انهم اعتادوا على سماعه من قبل ولم يجدوا فيه غرابه، والحقيقة إننى لم أكن أعرف حقيقته ولا جذره التاريخى...
عن جهل طبعا، وكمن كلما سألت عن معناه، تأتى الإجابة فى رد واحد: اسم مصرى قديم احتفظت به بعض الأسر التى تمتد جذورها إلى الحضارة المصرية الأولى دون انقطاع، وكان هذا الاسم يقف فى صف طويل من الأسماء ذات الأصل الفرعونى التى كنت أعرفها من قبل مثل رمسيس وآمون ومينا ونارمر وأحمس وإيزيس وميريت ومايا ونفرتيتى وغيرها…
أسماء تعجب بها دون أن تدرى، وواضح فيها رنين الزمن الأول أو ربما تنطق بها جيناتنا الفرعونية. كنت آنذاك فى مقتبل العمر ومشغول حتى قمة رأسى فى دراستى الطبية الصعبة ولم تكتمل بعد معارفى بتاريخ مصر القديم، لكن المدهش أننى كلما كبرت واتسعت قراءتى ومداركى، أدركت قيمة تلك الأسماء ومعناها، وفى مقدمتها اسم مترى، الذى اكتشفت فيما بعد أنه ليس مجرد اسم، بل إشارة حضارية تحمل دلالة واسعة على الكتابة والمعرفة والثقافة، كأنه بصمة من زمن كانت فيه الورقة والقلم أصلا من أصول الدولة. كما فى وقتنا الحالى.
وما دعانى إلى كتابة هذه الخواطر هو فخرى اللامحدود بافتتاح المتحف المصرى الكبير بعد طول انتظار، ففى الأيام التالية لليلة الافتتاح الأولى فى اليوم الأول من شهر نوفمبر المنقضى 2025 تدفّق الزائرون إلى المتحف لرؤية محتوياته المهيبة بعد أن شاهدوا حفل الافتتاح الذى وصفوه بأنه لا مثيل له ، عشرات الألوف جاء كلٌ منهم يبحث عن دهشته الخاصة؛ فمنهم من أَسَرتْه كنوز توت عنخ آمون الذهبية والتى قرأ عنها وهى التى خطفت الأضواء فعلا كعادتها، ومنهم من جاء لرؤية تمثال رمسيس الفخم الضخم صاحب العظمة الظاهرة، ومنهم من يريد أن يرى المسلات المصرية بهندستها وشموخها وارتفاعها ودقة الكتابة عليها، لكننى-وسط هذا كله-كنت أفتش عن قطعة أقل صخبًا وأكثر حياة، هى قطعة لا تلمع بذهب، بل بروح.... قرأت عنها ولم أرها من قبل وشغوف برؤية هذا الجد المثقف الذى ترك تأثيرا لا يمحى فى تاريخ مصر القديم وحتى الآن ...إنه مترى.. الكاتب المصرى العظيم.
هناك، فى إحدى قاعات العرض، وجدته: تمثال مصنوع من الخشب! أخرجوه من سراديب المخازن فى منطقة سقارة ليحيا من جديد فى قلب المتحف الكبير.
كان مترى يجلس القرفصاء ويحمل فى حِجره بردية من ورق مخصوص، وفى يديه قلم، كأنه لم ينقطع عن الكتابة قط منذ أن جلس بهذه الطريقة وحتى الآن. ورغم ما أكل الزمن من الخشب وترك فيه ندوبًا واضحة، فإن العينين ظلّتا تقاومان الفناء ...بها نظرة ثابتة تنفذ إلى الزائر كأن الجد مترى يرانا كما نراه، وكأنما يستقى من وجوهنا معلومات عن أحفاده ليكتبها. وعلمت أن السر يكمن فى تلك العيون المطعّمة بالكوارتز والبلور، وهما حجران أضافا إلى وجهه حياة ثانية ومنحاه عظمة لا تخطئها العين.
إذن مترى كان كاتبًا...
ولم يكن ظهوره فى تمثاله الخشبى هذا مصادفة عابرة. لقد اختار عن عمد أن تُخلِّده الأيام جالسًا فى هيئة الكاتب، واثقًا، مُعتزًّا بمنزلته. فالكاتب فى مصر القديمة لم يكن مجرد ناسخ أو موثّق، بل كان عقل الدولة وقلبها الذى لا يتوقف عن النبض. هو من يُحصى الحقول ويحدد نوع المحاصيل التى تزرع، هو من يكتب العقود ويقوم الضرائب، هو من يسجل المواليد والوفيات، ويدير تفاصيل الدولة، هو فى جوهره يمثل ما يشبه الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة فى زماننا؛ مركز الحصر والتوثيق التدقيق، وموضع الثقة والمسئولية، يعودون إليه عند اتخاذ أى قرار يخص الدولة وأى قرار يخص الشعب فى أموره الحياتية.
هذه المكانة لم تُمنح لأحد بسهولة، ولم يقترب منها إلا القليل، وقد لا يعلو الكاتب فى منزلته عند المصرى القديم سوى الآلهة ذاتها. فالمصرى القديم كان يعرف قوة الكلمة وقدرتها على تجاوز الزمن. لذلك لم يكتف بكتابة اسمه على البرديات، بل نقشه أيضًا على الحجارة كى يظل صوته حاضرًا بعد غياب الجسد.
اقرأ معى ما تقوله بردية أبدية الكتّاب المحفوظة فى المتحف البريطانى نقلا عن مترى وغيره: (الإنسان يفنى، وجسده يصير ترابًا… لكن الكتاب يجعل ذكراه باقية على لسان من يتلوه) وما ورد فى بردية تشيستر بيتى: (مضت سبعة أيام منذ رأيتُ حبيبتى… لو نطق أحد باسمها لانتعشت)! وكتبوا أيضا عن الأخلاق والضمير كما فى الاعترافات المكتوبة فى كتاب الموتى، حين يُوزن القلب أمام ريشة الحق والعدل المعروفة باسم ماعت.، وكتبوا عن الحكمة، كما أوصى «أنّى» ابنه ألا يكشف قلبه لغريب وألا يترك لسانه يجرحه بما قال.
هذه جمل تنطق بالحكمة والفلسفة وتكفى لتشرح لماذا علينا أن نعرف جدنا مترى الآن ونحن نقترب من موعد معرض القاهرة الدولى للكتاب، فلولا الحروف التى تركها هو وباقى الكتاب، لظل التمثال مجرد وجه مألوف بلا اسم، وهيئة بلا معنى، وصمت بلا سيرة.
والأجمل - وربما الأكثر رمزية - أنى أدركت اليوم كيف ولماذا اتخذت الهيئة المصرية العامة للكتاب والتى أشرف بعضوية مجلس إدارتها، اتخذت من تمثال الكاتب شعارًا لها؛ فالكتاب هو الخلود، والكلمة المكتوبة فى داخله هى الحياة الثانية.
تحيا مصر.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







