منذ بضعة أيام شاهدت الوثائقى «سيلما» للمخرج اللبنانى الموهوب هادى زكاك، أمام شاشة حاسوب فشعرت بنوع من الحنين الى جو عام مرتبط بطقس اجتماعى حقيقى فقد قوته وسحريته بسبب توسع وانتشار المواقع الإلكترونية التى تبث معظم الأفلام لذا فقد انتقلنا من فرجة أو مشاهدة جماعية إلى مشاهدة فردية أو شبه فردية فلا يجوز أن أقول «حضرت فيلم» حتى لو استخدمت بشكل واع التعبير المتداول فى اللهجات المشرقية مثل اللبنانية والسورية والأردنية والفلسطينية قررت استفسار الذكاء الاصطناعى عنه وأتانى بالجواب التالى: «هذا استخدام غير صحيح فى سياق المشاهدة الفعل «حضر» يناسب سياقات أخرى مثل «حضر عرضاً مسرحياً» أو «حضر حفلة» بحثت عنه فى القواميس وجاءتنى أمثلة عديدة عن معانى «الحضور» مشيرة عادة إلى الوجود فى مكان ما وزمن ما.
ذلك يعنى أن حضور أى فيلم يتطلب نوعًا من المشاركة الفعالة أو مجرد التواجد الجسدى فى قاعة سينمائية مع أناس آخرين يذكرنا فيلم سيلما بأن سكان طرابلس فى شمال لبنان فقدوا هذا الطقس الثمين والعزيز على قلوبهم مع مرور العقود بعد إغلاق كل القاعات التى كان عددها يفوق الثلاثين فاستبدل فعل مشاهدة الأفلام فعل حضور الأفلام بكل معانيه العميقة.

لقد شهد المصطلح الشعبى «سيلما» التواصل العميق لسكان طرابلس فى عالم «الخيالة» وهى أول كلمة مقترحة من بعض الخبراء اللغويين للدليل على السينما بجهد التعريب. كان بعض المتفرجين يعتقدون بأنهم حاضرون فى القاعة مع ممثلى الأفلام الذين كانوا موجودين خلف الستار! وكان يحدث أحيانا أن التذاكر مدفوعة بالدفع العينى، بمجرد بيض أو فلافل أو مواد غذائية أخرى بحجة أنها ستغذى الممثلين الجوعى خلال الليل.

لمدة نصف قرن كانت طرابلس مشرق السينما، وكانت قاعاتها تحمل أسماء كلاسيكية مثل أوديون وروكسى وريفولى ودنيا وأمير وكابتول.
يصور المخرج ما تبقى من القاعات التاريخية أو خرابها ولا يهمش السياق البيئى المحيط بالقاعات فتصير هذه القاعات الصامتة المتهالكة بمقاعدها المكتسية بتراب العقود خيوط تنسج النسيج الاجتماعى منذ الثلاثينات من القرن الماضى ومرآة للتكوين الاجتماهى الطرابلسى واللبنانى بشكل عام.
يتحدث ما يقارب 40 شاهدا وشاهدة، كبارا أو متوسطى السن، بالشعور بغصة، عن تطور السينما فى المدينة والتجارب الشخصية التى عاشوها داخل القاعات فى طفولتهم ومراهقتهم نحن لا نرى وجوههم بل نستمع إلى أحاديثهم بينما على الشاشة تتتابع صور ثابتة من أرشيفات شخصية أو عمومية.
هناك أفيشات من أفلام مصرية مشهورة تظهر فجأة كأشباح قديمة على واجهات القاعات التى فقدت الدهن أو ما تبقى من جدرانها. بشجن نستمع إلى بعض حوارات الممثلين والممثلات أو إلى أغانٍ تصويرية من سينما العصر الذهبى.
بوضوح يركز زكاك على التراكمات الثقافية والاجتماعية والسياسية للمدينة من وجهة نظره ومن وجهة ذاكرة الشاهدين والشاهدات. وهى محاولة لتركيب ذاكرة جماعية قد تنقرض بسهولة بعد تدمير القاعات.
«السينما ثقفتنى أكثر من الكتب» يعترف أحد هذه الأصوات ويمكن أن نضيف أنها دغدغت مخيلة أجيال كثيرة من سكان طرابلس كما هدهدت أحلام اليافعين والشباب المتهربين من ملل الصفوف المدرسية رغم أنها لم تشبع رغبتهم وغرائزهم.
«سيلما» هى المحصول لبحث المخرج الدؤوب الذى دام لعدة سنوات وسبق أن احتواه مقاله السميك تحت عنوان «العرض الأخير» الصادر عام 2021.
لماذا وقع اختيار هادى زكاك على طرابلس، وليس بيروت؟
لأن العاصمة كانت قد فقدت كل قاعاتها السينمائية التاريخية خلال الحرب الأهلية وعلى إثر أشغال إعادة إعمارها، فالمخرج كان يحتاج إلى أشباح الماضى أو بقاياها لينفخ نسمة حياة جديدة لها قبل سقوطها المحتوم.

تبرز «سيلما» العلاقة الوطيدة بين أهل طرابلس والفن السابع فتحافظ على حميمية هذه العلاقة عن طريق عدسة تتجول وتدور فى خراب غرف التصوير والتذاكر المقطوعة والبكرات وغيرها من التحف يختار زكاك أن ترافق كل ذلك النوادر الظريفة التى يحدثها بعض الشاهدين «حاضرى العروض». تستحضر هذه الأصوات مظاهر اجتماعية تنطق أوضح من ألف تحليل سوسيولوجى.
بعد اندلاع الحرب الأهلية، داخل قاعات السينما صارت تعرض أفلام حقيقية أبطالها قبضايات نهاية القرن العشرين. خارج القاعات كانت سينما واقع الحرب تتجاوز أبشع الخيال فى نوعى الرعب والقتل.
بعد الثمانينيات يتقلص دور السينما كما فى كل أنحاء العالم بسبب اجتياح الأشرطة والأقراص الأسواق التجارية.
فى هذا الفيلم ينصهر نوعان من المواد المؤرشفة. شهادات صوتية ولقطات الكاميرا التى تحتاج إلى توليف ذكى من أجل توثيق ذى معنى دقيق وعميق.
إضافة إلى ذلك تعودنا على أسلوب المخرج المتميز الذى يتوازن بين مخاطبة العقل والمخيلة والقلب.
بفضل كاميراه يمكننا أن نرتشف ونكتشف شظايا من الماضى البعيد والقريب الذى لا يخص لبنان فقط وأيضًا تجربة ملموسة لكل الأجيال التى عاشت فترة الشباب ما قبل الإنترنت.
أعتبر هذا العمل تكريمًا للمقعد الفارغ الذى قد ينظر بشفقة نحو المشاهد المجهول لقد انتهى الفيلم للأبد لكن الأضواء لا تزال منطفئة فتسود السويداء أو ال blues :خلص حضور أى فيلم، خلص السيلما فى طرابلس أو بالأحرى طرابلوز.
ماذا ينتظرنا بعد العرض الأخير؟
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







