عن أهمية الانتماء إلى إفريقيا |إثبات الهوية المصرية فى مواجهة أساطير الأصل الخارجى

ملكة بلاد بونت التى جاءت وزوجها للقاء الملكة حتشبسوت
ملكة بلاد بونت التى جاءت وزوجها للقاء الملكة حتشبسوت


د. مونيكا حنا


منذ أن بدأ العقل الحديث يفتّش فى تاريخ مصر، وهذا التراث الذى لا يُدانيه تراث، وُضِع فى مهبّ التأويلات والأساطير التى أرادت أن تزحزحه عن أرضه، وتُنكر على وادى النيل عبقريته الذاتية، أو تربطه بأصل لا يمتّ إلى جغرافيته ولا إلى روحه بصلة لعقود، بل لقرون، راجت نظرياتٌ أرادت لمصر أن تكون نسخةً من خارجها، لا ابنة واديها؛ أن تكون استيرادًا آسيويًا أو اقتباسًا متوسطّيًا، لا إنتاجًا أفريقيًا صميمًا وبينما اجتهد البعض لاقتلاع مصر من محيطها الطبيعي، ظلّت الحقيقة الجوهرية ثابتة: مصر قلب إفريقيا النابض، وحضارتها نبتت من نيلها ومن صحرائها، ولم تأتها من وراء البحار.

واليوم، حين يتم إعادة فتح هذا الملف المحورى مدفوعًا بالزخم والاهتمام الجماهيرى بالحضارة المصرية فأنه من الضرورى الاستناد دومًا إلى النقاش العلمي، وهنا أود لفت الانتباه إلى العمل الرائد لعالم الآثار ديفيد وينغرو فى كتابه «علم آثار مصر المبكرة: التحولات الاجتماعية فى شمال شرق أفريقيا، 10,000 إلى 2650 ق.م»، ثم عمله المشترك مع ديفيد غريبر فى كتابهما الذى أحدث انقلابًا فى تصورنا للماضى «فجر كل شيء: تاريخ جديد للبشرية.»

هذان العملان، منفردين ومجتمعين، يدعوننا إلى إعادة التفكير جذريًا فى فهمنا للتاريخ البشرى بأكمله، بما فى ذلك أصول الحضارة المصرية، فبينما يثبت وينغرو بشكل قاطع الروافد الأفريقية لمصر فى كتابه الأول، يأتى كتاب «فجر كل شيء» ليضيف طبقات عميقة من الفهم لكيفية تشكل المجتمعات، متحدياً التصورات التقليدية الخاطئة عن «التقدم» و«التطور» البشري.



هذا المنظور الجديد لا يقتصر على إثبات «مصريتنا» (Egyptianity) المتفردة من خلال تجذيرها بعمق فى تربتها موقعها الجغرافي، بل يمنحنا فهمًا أعمق لتلك الخصوصية الثقافية التى استمرت فى التبلور عبر العصور لتشكل ما نحن عليه اليوم كمصريين معاصرين، مع إدراك أن المسار الذى سلكته مصر لم يكن حتمياً، بل كان نتيجة اختيارات وتجارب اجتماعية جريئة.

على الدوام كان تاريخ مصر القديمة، هذا التراث الذى لا يُضاهى، عرضة للتأويلات والفرضيات التى شوهت فى كثير من الأحيان حقيقته العميقة، وعملت على ربطه بأصول لا تمت إليه بصلة على مر العقود، بل والقرون، سادت نظريات معينة سعت إلى نزع الصفات الجغرافية عن الحضارة المصرية، وإلى إرجاع الفضل فى نشأتها وتطورها إلى قوى خارجية، متجاهلة بذلك آلاف السنين من التطور الداخلى والعبقرية المحلية المصرية. 



تفنيد «نظرية العرق السلالي» وأسطورة الأصل الخارجي: 

إثبات للمصرية لا مجرد إيديولوجيا حتمية

لطالما دافعتُ، وما زلت أدافع، عن الحقيقة الراسخة بأن مصر هى قلب أفريقيا النابض، وأن حضارتها نبتت من تربة هذه القارة العظيمة وسقيت من نيلها الخالد. هذا الدفاع يصبح ضروريًا عندما نعرف أن الأوساط الأكاديمية، خاصة فى أوائل القرن العشرين، ظلت أسيرة لما عُرف بـ «نظرية العرق السلالي»  (Dynastic Race Theory) التى روج لها علماء مثل فلندرز بيتري.

افترضت هذه النظرية أن الحضارة المصرية المتطورة لم تكن نتاجاً أصيلاً لسكان وادى النيل، بل كانت نتيجة لغزو قامت به نخبة عرقية متفوقة، قادمة غالبًا من بلاد ما بين النهرين أو مناطق أخرى من الشرق الأدنى زعم هؤلاء أن هذه النخبة الغازية هى التى جلبت معها أسس الحضارة والتقدم إلى وادى النيل، وأخضعت السكان الأصليين الذين نزحوا من أماكن متفرقة من افريقيا الذين وُصفوا بأنهم أقل تطوراً.

هنا يأتى دور وينغرو ليقدم الدليل الأثرى الدامغ الذى يفند هذه الافتراضات تماماً فمن خلال تحليل دقيق وشامل للسجل الأثري، يوضح وينغرو فى «علم آثار مصر المبكرة» أنه لا يوجد ما يدعم فكرة الغزو المفاجئ والحلول الكامل لسكان جدد محل السكان الأصليين على العكس من ذلك، يكشف السجل الأثرى عن استمرارية ثقافية عميقة وطويلة الأمد أنماط الفخار، وعادات الدفن، وأنماط الاستيطان والسكن، كلها تشير إلى تطور تدريجى ومحلى للحضارة.



ما فسره العلماء السابقون كدليل على التدخل الخارجى – مثل ظهور بعض الزخارف الفنية أو الأساليب المعمارية فى فترة التوحيد – يفسره وينغرو على أنه كان نتيجة لعملية داخلية من التنافس الاجتماعى بين النخب المحلية هذه النخب كانت تستخدم مواد الرفاهية والأفكار الأجنبية بشكل انتقائى لتعزيز شرعيتها وقوتها المتزايدة فى فترة من التحول الاجتماعى العميق المحرك الأساسى للتغيير لم يكن غزوًا خارجيًا، بل كان ديناميكيات اجتماعية واقتصادية داخلية.

إن هذا التفنيد الممنهج لأساطير الأصل الخارجى هو بحد ذاته إثبات للهوية المصرية الأصيلة فعندما نبرهن أن إنجازات مصر المعمارية والاجتماعية والثقافية الفريدة قد تطورت داخل وادى النيل ومحيطه الأفريقي، فإننا بذلك نستعيد هذه الإنجازات كجزء لا يتجزأ من المصرية التى ولدها شعبها وبيئتها، بدلاً من أن تكون مجرد استعارة أو فرض خارجي بحث وينغرو لا يكتفى بإظهار أن مصر ليست غربية أو آسيوية فى أصولها، بل يوضح بوضوح أنها مصرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهى مصرية متجذرة فى أفريقيا وهذه الأصالة المتجذرة هى ما سمح لهذه الثقافة بالبقاء والتميز، ليس فقط فى العصور القديمة، بل عبر آلاف السنين وصولاً إلى ثقافتنا المصرية المعاصرة.



الصحراء الخضراء كنقطة انطلاق: 

بوتقة الانصهار الأفريقية وتفرد الهوية المصرية

لإعادة فهم الأصول الثقافية والبيولوجية لمصر، يدعونا وينغرو إلى توسيع نطاق رؤيتنا بما يتجاوز وادى النيل نفسه فى المراحل الأولى. يركز بشكل حاسم على فترة «الهولوسين الرطبة» (حوالى 9000-5300 قبل الميلاد)، وهى فترة لم تكن فيها الصحراء الكبرى مجرد صحراء قاحلة كما نعرفها اليوم، بل كانت سافانا خضراء غنية بالحياة، تدعم مجتمعات متنوعة من الصيادين وجامعى الثمار، ثم لاحقاً مجتمعات رعوية.

خلال هذه الفترة، التى يُطلق عليها أحيانًا «الصحراء الخضراء»، تقاسمت مناطق واسعة من شمال شرق أفريقيا سمات ثقافية مشتركة كان من أبرزها تقاليد الفخار المميزة (مثل فخار «الخطوط المموجة»)، والأهم من ذلك، تطور رعى الماشية يشير وينغرو إلى أن تدجين الماشية فى أفريقيا قد يكون عملية محلية تمامًا، متميزة عن عملية التدجين التى حدثت فى الشرق الأدنى لقد أسست هذه «المجتمعات الرعوية الأولية» المشتركة، التى امتدت عبر السافانا، أرضية ثقافية مشتركة واسعة النطاق لشمال شرق أفريقيا بأكمله.

النقطة المحورية فى هذه القصة هى التغير المناخى الكبير الذى بدأ حوالى 5300 قبل الميلاد مع بدء جفاف الصحراء وتصحرها، اضطرت هذه المجموعات السكانية المتنوعة والمتنقلة إلى الهجرة قسراً نحو مصادر المياه الموثوقة والوافرة بطبيعة الحال، كان وادى النيل هو الملاذ الرئيسى والوجهة الطبيعية لهذه الهجرات هنا، يقدم وينغرو رؤية ثاقبة للنيل، لا كمجرد ممر زراعى خصيب، بل كـ «ملجأ» و«بوتقة انصهار» ضخمة هذا الضغط البيئى أدى إلى تجميع مجموعات سكانية متباينة – من الصحراء ومن النيل نفسه – فى مساحة جغرافية محدودة وهذا التجمع، والتفاعل المكثف بين هذه المجموعات المختلفة، هو ما شكل الأصول الثقافية والبيولوجية لمصر فى عصور ما قبل الأسرات لم تكن هذه الأصول نتاجًا لثقافة واحدة، بل هى مزيج معقد من هذه الشعوب المتنوعة التى تجمعت على ضفاف النهر.



هنا تتجلى قوة هذا البحث فى إثبات المصرية، وليس مجرد طرح أيديولوجياً. فمن خلال إبراز الابتكارات المصرية الأصيلة، مثل احتمال تدجين الماشية بشكل مستقل، يبرهن وينغرو على أن مصر لم تكن مجرد متلقٍ للابتكارات الخارجية، بل كانت محركاً للإبداع فى سياقها الأفريقى الأوسع.

وهذا يؤكد على أن مصر لم تكن مجرد جزء من أفريقيا بشكل عام، بل كانت مصر بتفردها الذى نشأ وتطور من خلال هذه التفاعلات والابتكارات المحلية. 

هذا التفاعل المستمر بين المجموعات السكانية المتنوعة وتشكيل هوية ثقافية فريدة على ضفاف النيل هو الأساس لما نراه اليوم من تميز ثقافى للمصريين. إن قدرة المجتمع المصرى على استيعاب التأثيرات المتعددة وصهرها فى قالب خاص به هو سمة متأصلة منذ فجر التاريخ.

وما يضيفه كتاب «فجر كل شيء» لوينغرو وغريبر هنا، هو تحدى فكرة أن هذا التجمع كان حتمياً لإنشاء هيكل هرمى أو «دولة» بالمعنى الحديث.

بل يشير الكتاب إلى أن المجتمعات البشرية المبكرة كانت أكثر مرونة بكثير مما نتصور فقد كانت تتنقل بين أنماط تنظيمية مختلفة موسمياً أو استجابة لظروف معينة فربما كانت تعيش فى تجمعات كبيرة ومعقدة خلال مواسم معينة، ثم تتفرق إلى مجموعات أصغر وأكثر مساواة فى أوقات أخرى.

هذا يعنى أن نشأة الحضارة المصرية، بما فيها من تعقيد وتنظيم، لم تكن مجرد مسار تطورى حتمي، بل كانت نتيجة لسلسلة من الاختيارات والتجارب الاجتماعية التى قام بها هؤلاء السكان الأوائل لقد كانوا، بحسب رؤية غريبر ووينغرو، «يتخيلون» ويجربون أشكالاً مختلفة للعيش معًا، بدلاً من الانجرار فى مسار واحد نحو التسلسل الهرمي هذا المنظور يمنحنا صورة أكثر حيوية وديناميكية لتشكل المجتمع المصري، ويبرز الدور الكبير للحرية والإبداع البشرى فى صياغة هويته.

التكوين الثقافي: النظرة من الجنوب الأفريقى وتأصيل الهوية المصرية كخيار اجتماعي

يُحدث وينغرو تحولًا جذريًا فى فهمنا لجغرافية الأصول المصرية من خلال تركيزه على الروابط الجنوبية، الأفريقية، بدلاً من الروابط الشمالية مع بلاد الشام خلال الفترات التكوينية الحاسمة فبينما كانت دلتا النيل (مصر السفلى) تتمتع ببعض الروابط الزراعية المبكرة مع بلاد الشام، يجادل وينغرو بأن القوة الدافعة الرئيسية وراء التطور الاجتماعى المعقد والنموذج الثقافى المصرى القديم النهائى جاءت من صعيد مصر (مصر العليا) ومن اتصالاتها العميقة جنوبًا.

يرصد وينغرو مسارًا ثقافيًا متسلسلاً يبدأ من حضارة البداري، مرورًا بحضارات نقادة الأولى والثانية والثالثة فى صعيد مصر كشفت هذه الثقافات عن عناصر أفريقية مميزة بوضوح على سبيل المثال، يلاحظ وينغرو أوجه تشابه قوية بين ثقافات صعيد مصر فى عصور ما قبل الأسرات وثقافة المجموعة الأولى (A-Group) فى النوبة السفلى لقد تشاركت هذه الثقافات تقاليد فخارية متشابهة (مثل الفخار الأسود ذى الحافة الحمراء)، وممارسات دفن مماثلة، وتركيز رمزى كبير على الماشية، وهو سمة مميزة لمجتمعات الرعاة الأفريقية الأوسع.

إن صعود التعقيد الاجتماعي، الذى تجلى فى المدافن الأكثر تفصيلاً وزخرفة والمحتويات الغنية للمقابر فى فترات نقادة الأولى والثانية، كان تطورًا محليًا خالصًا، تركز فى الجنوب لقد وسعت هذه النخب الجنوبية نفوذها تدريجياً نحو الشمال لم يكن التوحيد الثقافى لمصر فى النهاية غزوًا، بل كان عملية «تنقّادة» Naqadization (ثقافة ما قبل الأسرات) حيث انتشرت الثقافة المادية والممارسات الاجتماعية لتقاليد صعيد مصر إلى الدلتا، وتفوقت على التقاليد المحلية مثل حضارة المعادي هذا يعنى أن الحضارة المصرية القديمة نضجت ونمت فى تربة متصلة بروافد افريقية، ولم تكن وافدة من أى مكان آخر.

إن هذا الترابط الثقافى القوى مع الجنوب الأفريقى ليس مجرد ادعاء بـ «أفريقية» عامة، بل هو ترسيم دقيق للمسار الذى أدت إليه تلك التفاعلات إلى تشكيل «المصرية» ككيان متفرد فتوحيد مصر الذى تم عبر «التنقادة» من الجنوب للشمال يظهر كيف أن السمات الثقافية المصرية المميزة تبلورت من داخل هذا السياق الأفريقي، لتخلق هوية حضارية متميزة لمصر، وليست مجرد جزء لا يتجزأ من ثقافة أفريقية موحدة إنها تثبت أن المصرية هى ثمرة هذا التطور الذاتى داخل أفريقيا هذه القدرة على الصهر والتميز، التى تشكلت فى أزمان سحيقة، هى ذاتها التى نراها فى المصريين المعاصرين فبغض النظر عن كل الغزوات والتأثيرات التى مرت بها مصر عبر تاريخها الطويل – من اليونانية والرومانية والقبطية والعربية والإسلامية والعثمانية – حافظت الثقافة المصرية على نكهتها الخاصة، وعلى قدرتها على استيعاب الجديد وتحويله ليناسب خصوصيتها. هذا الاستمرار الثقافى المتميز هو دليل حى على تلك الجذور العميقة التى كشف عنها وينغرو.

وفى ضوء «فجر كل شيء»، يمكننا أن ننظر إلى هذه التحولات، بما فى ذلك صعود النخبة فى الجنوب، ليس كمسار لا مفر منه نحو دولة هرمية، بل كواحدة من عدة خيارات تنظيمية ربما جربتها المجتمعات. لقد كانت هناك لحظات يمكن للمجتمعات أن تختار فيها التنظيم بطرق مختلفة، وأن تستكشف أشكالاً بديلة للسلطة أو اللامساواة هذا يعنى أن «المصرية» التى نعرفها، بما فى ذلك شكل دولتها المبكرة، لم تكن قدراً محتوماً يفرضه النيل أو البيئة، بل كانت نتيجة لسلسلة من القرارات الاجتماعية، والابتكارات، وحتى ‹اللعب› بالتنظيمات السياسية والاجتماعية التى مارسها أسلافنا. لقد اختاروا - أو على الأقل أوجدوا - مسارًا مميزًا لمجتمعهم، مما أدى إلى تأسيس الدولة المصرية القديمة بخصائصها الفريدة.

الانتماءات البيولوجية والأدلة الهيكلية: 

دحض للتهميش العرقى وتأكيد للمصرية

على الرغم من أن عمل وينغرو يركز بشكل أساسى على علم الآثار، إلا أنه لا يتجاهل الجانب البيولوجى لسكان مصر الأوائل، مستندًا إلى الأدلة المتاحة من علم الإنسان الفيزيائى (تحليل الهياكل العظمية والأسنان) وقت تأليف كتابه. إنه يتناول هذا الموضوع الحساس بانتقاد شديد للتصنيفات العرقية القديمة، مع الاعتراف بوجود تنوع بيولوجى طبيعي.

يشير وينغرو إلى أن الدراسات التى أجريت على بقايا الهياكل العظمية من أقدم الفترات المستقرة فى وادى النيل تظهر عموماً علاقات قوية مع المجموعات السكانية فى أقصى الجنوب الأفريقى (النوبة وحزام السودان)، بدلاً من مجموعات البحر الأبيض المتوسط أو الشرق الأدنى هذا الدليل المادى يعزز الرؤية الأثرية التى تؤكد على الأساس الأفريقى للسكان الأوائل لمصر.

ومع ذلك، يؤكد وينغرو أيضًا على أن وادى النيل كان دائمًا ممرًا للحركة والاتصال على مدى آلاف السنين. بمرور الوقت، ومع ازدياد الروابط التجارية مع بلاد الشام فى الفترات المتأخرة من ما قبل الأسرات، هناك بالفعل دليل على تنوع بيولوجى أكبر، خاصة فى الشمال ولكن، يصر على أن هذه قصة تفاعل سكانى طويل الأمد وتغير تدريجي، وليست استبدالًا مفاجئًا من قبل «عرق» مميز. فالتركيبة البيولوجية لمصر المبكرة كانت، مثل ثقافتها، نتاج موقعها الجغرافى الفريد عند مفترق طرق أفريقيا وآسيا، ولكن جذورها كانت مغروسة بقوة فى القارة الأفريقية.

نقد أطروحة شيخ أنتا ديوب الأيديولوجية لمصر القديمة

مع منظور حول الاستمرارية البيولوجية المصرية ورؤى

قدم شيخ أنتا ديوب أطروحة جريئة ومؤثرة حول الأصول الأفريقية السوداء للحضارة المصرية القديمة، بهدف تحدى السرديات الأوروبية المركزية وإعادة تأكيد مساهمات أفريقيا. ورغم أهمية عمله كحافز للفكر الأفرو- مركزى ومصدر فخر، فقد واجهت أطروحاته نقدًا كبيرًا، خاصة فى ضوء الأبحاث الحديثة التى تقدم رؤى أكثر دقة وتعقيدًا حول الهوية المصرية القديمة.

يُنتقد ديوب بشكل أساسى لتبسيطه المفرط للهوية العرقية، حيث حاول تصنيف المصريين القدماء حصريًا ضمن فئة «الزنجية» بناءً على مؤشرات سطحية وبتطبيق مفاهيم عرقية حديثة على سياق قديم كان فيه التعريف بالهوية أكثر مرونة وتنوعًا. هذا التبسيط يتجاهل التعقيد الجينى والعرقى للسكان فى شمال شرق أفريقيا، التى كانت دائمًا منطقة تلاقٍ وتمازج لمجموعات سكانية مختلفة على النقيض من هذا التصنيف الأحادي، تُظهر الأبحاث الحديثة، بما فى ذلك دراسات الحمض النووي، تأكيدًا قويًا على الاستمرارية البيولوجية للسكان الأصليين لوادى النيل وعلاقاتهم الوثيقة بجيرانهم الأفارقة. هذه النتائج تناقض أيديولوجية المركزية الافريقية بالمعنى الضيق التى تريد ان تفرض هوية شاملة على كل ثقافات أفريقيا، بل على العكس، تؤكد أن المصريين، كشعب متميز، هم جزء أصيل من الطيف البيولوجى الأفريقي. وهذا يعزز حجة «المصرية» ككيان حضارى وسياسى وبيولوجى متفرد، ولكنه متجذر بعمق فى أفريقيا.

كما يعانى منهج ديوب من الانتقائية فى تفسير الأدلة، حيث ركز على التشابهات اللغوية والأثرية التى تدعم أطروحته، متجاهلاً الأدلة التى تشير إلى التنوع السكانى والتأثيرات من مناطق أخرى يرى العديد من العلماء أن هذه التشابهات لا تثبت أصولًا «زنجية» حصرية للغة المصرية، ولا تأخذ فى الاعتبار المسافة الزمنية الهائلة وتطور اللغات إن التنوع البيولوجى الذى تم صهره عبر آلاف السنين، مع الحفاظ على نواة سكانية أصيلة، يفسر قدرة المصريين المعاصرين على الحفاظ على سماتهم المميزة، حتى مع تداخل الأنساب وتفاعل الثقافات فالمصرية ليست «عرقًا» واحدًا جامدًا نقياً، بل هى نسيج حى من التفاعلات ضمن هوية جغرافية وثقافية متجذرة فى أفريقيا.

من منظور أوسع، يُنظر إلى عمل ديوب على أنه كان مدفوعًا جزئيًا بأجندة سياسية وثقافية، وهو أمر مفهوم فى سياقه التاريخى لمقاومة الاستعمار، لكنه يؤثر على الحيادية العلمية إن فهم هذه المرونة فى التكوين السكانى وتحدى التصنيفات العرقية الجامدة ينسجم تماماً مع رؤية «فجر كل شيء» لديفيد جريبر وديفيد وينجرو يرفض هذا الكتاب النماذج التطورية الحتمية للجنس البشري، ويبرز أن المجتمعات كانت وما زالت قادرة على التكيف والتشكل بطرق لا نهائية. هذا المنظور يعزز فكرة أن الشعب المصرى اليوم يحمل إرثًا غنيًا من القدرة على التجدد والتميز، متجذرًا فى تنوع بيولوجى وثقافى أفريقى عميق، دون الحاجة إلى فرض هوية عرقية أحادية أو ضيقة، بينما ساهم ديوب فى تحفيز نقاشات مهمة، فإن الإجماع العلمى الحديث، المدعوم بأبحاث الحمض النووى وعلم المصريات المعاصر، لا يدعم التصنيف الأحادى للمصريين القدماء. بدلاً من ذلك، يؤكد على تعقيد وتنوع السكان المصريين القدماء، وأنهم كانوا جزءًا لا يتجزأ من الطيف البيولوجى الأفريقي، بهوية ثقافية وبيولوجية متفردة ومتنوعة، نتاج آلاف السنين من التفاعل والاستمرارية ضمن القارة الأفريقية. 

من الضرورى الإشارة إلى أن بعض المتاحف فى أمريكا على الخصوص تجد فى أيديولوجية المركزية الافريقية ملاذاً جيداً للإبقاء على القطع الأثرية المنهوبة، فيتم تأجيج هذه النظريات من خلال المعارض الفنية لأنه فى حال طلب مصر استرداد القطع الأثرية، تستند هذه المتاحف الى الأمريكان من أصل افريقى كورثاء شرعيين لهذه الحضارة لتبقى على القطع فى متاحفها، وما رأيناه فى مسلسل «كليوباترا» على نتفليكس هو تجسيد لهذه الأيديولوجيا السياسية الأمريكية التى تريد أن تعكس أفكارها على التراث.

ما يعنينى من أبحاث الدكتور وينغرو كعالمة مصريات عن أزمات الهوية المعاصرة هو التالي: لم تولد الدولة المصرية القديمة كمنتج جاهز مستورد من الشرق الأدنى القديم بغض النظر عن اخر بحث للحمض النووي لقد تشكلت مصر فى بوتقة وادى النيل، وكانت نتاجًا لرعاة صحراويين متنوعين وصيادين نيلين تكيفوا مع ضغوط بيئية شديدة، وطوروا اقتصادات زراعية محلية معقدة، وانخرطوا فى عمليات طويلة الأمد من التنافس الاجتماعى والتوليف الثقافي.

إن جوهر هذين الكتابين هو تأكيد «المصرية» كحضارة متفردة وذات هوية واضحة، من خلال إظهار أن هذه الهوية نشأت وتطورت بشكل عضوى وداخلى ضمن السياق الأفريقي هذا السياق يناقض أى محاولة لتبنى أيديولوجية للمركزية الإفريقية عامة ومبهمة تحاول طمس خصوصية مصر بعنصرية اللون فقط كحضارة سوداء مبنية على أيديولوجية حديثة ولدت بسبب الأفكار الاستعمارية عن العرق والثقافة الافريقية خارج مصر القديمة، وبدلاً من ذلك، يؤكد أن تفرد مصر يكمن فى كونها حضارة إفريقية الأصل والتكوين بغض النظر على فكرة اللون، ولكنها مصرية الهوية والكيان بما لها من طبقات تاريخية قوية منذ نشأة الدولة المصرية ككيان مستقل.

 إن هذا التكوين الفريد، الذى بدأ مع التقاء وتفاعل الشعوب فى وادى النيل، هو ما أعطى المصريين تلك القدرة الفذة على الحفاظ على تميزهم الثقافى عبر العصور. فالمصريون المعاصرون، رغم كل الطبقات التاريخية، ما زالوا يحملون فى لغتهم، فى عاداتهم، فى نكاتهم، فى فنونهم، وفى نظرتهم للحياة، بصمة تلك الجذور العميقة التى شكلت حضارتهم هذه الاستمرارية ليست صدفة، بل هى نتيجة لخصوصية ثقافية تشكلت عبر آلاف السنين من التفاعل مع الأرض والنيل والجيران، مما جعل من الثقافة المصرية كيانًا حيًا، قادرًا على التجدد والتميز مع كل منعطف تاريخي.

والأهم من ذلك، فإن رؤية «فجر كل شيء» تعلمنا أن هذه المسارات لم تكن محتومة، وأن أسلافنا كانوا فاعلين أحرارًا فى تشكيل مجتمعاتهم. إن هذا الوعى يمنحنا إرثًا لا يقدر بثمن: إدراك أننا، كمصريين اليوم، لسنا مجرد نتاج لتطورات حتمية، بل نحن ورثة لروح الإبداع، والتجريب، والقدرة على إعادة تصور أنفسنا ومجتمعاتنا هذا الإرث ليس فقط تاريخًا لماضينا، بل هو دعوة لنا فى الحاضر والمستقبل لمواصلة تشكيل هويتنا المصرية المتفردة، المتجذرة فى أفريقيا، والمنفتحة على كل الإمكانيات.

ان قراءة ودراسة تاريخنا تدعونا إلى إعادة امتلاك روايتنا وسرديتنا التاريخية، وفهم أن عظمتنا لم تُمْنَح لنا من قبل الغرباء، بل تم نحتها وابتكارها وتطويرها بدقة من قبل أسلافنا، هنا على هذه الأرض، كجزء لا يتجزأ من محيطنا الجغرافي. إنه تأكيد قوى لهويتنا، ويحثنا على التخلص من الظلال الباقية للروايات الاستعمارية مثل التى نقدها وينغرو عن بيترى التى شوهت ماضينا لفترة طويلة جدًا هذين الكتابين هم قراءة أساسية لكل من يسعى بصدق لفهم الأصول الرائعة والمعقدة العميقة لمصر القديمة، وأتمنى ان يقوم علماء المصريات وأساتذة الاثار المصريين الآن بنقد ما كتب وتقديم بحث علمى حقيقى فى دوريات محكمة ذات معامل تأثير للمجتمع العلمى والعالمى لكى نعرف مصر القديمة بشكل أقرب وان لا ننزلق الى الخطاب الهوياتى الأيديولوجى العنصرى الذى يريد ان يعزل مصر عن محيطها الافريقى والعربي، إن قوة مصر هى فى موقعها الجغرافى الفريد وفى تفاعلها مع كافة الثقافات وصهرها وليس فى الأفكار الفاشية للـ«نقاء العرقي» الذى يريد عزل مصر القديمة عن محيطها ليعزل مصر الحديثة عن جيرانها.

أتمنى أن يكون هذا المقال قد ألقى ضوءًا على هذا العمل الهام، وساهم فى تعزيز فهمنا الحقيقى لتاريخنا، وتأكيد هويتنا المصرية المتفردة والمتجذرة فى قلب أفريقيا.