يبدو أن العالم يكرر السؤال الخطأ: متى تبدأ المرحلة الثانية فى غزة؟ بينما السؤال الحقيقى هو: من الذى يعطّل الانتقال إليها… ولماذا؟
التصريحات الصادرة من مفوضة الاتحاد الأوروبى للأزمات أمام معبر رفح ليست مجاملات سياسية، بل مؤشرات على أن أوروبا بدأت ترى متأخرة أن إسرائيل تتصرف كطرف لا يريد الاستقرار بل يطارد «سيادة بلا مسئولية».
حين تقول المسئولة الأوروبية بالأمس: «نرصد انتهاكات متكررة للهدنة ونحتاج فتح كل المعابر»، فهى عمليًا تُعلن أن ما يجرى ليس تعثرًا تقنيًا، بل تعمد سياسى لتعليق الاتفاق وفى المقابل، حين يخرج اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء ليقول إن مصر «جاهزة بنسبة 100% لإدخال المساعدات» ومستعدة لمرحلة إعادة الإعمار، فهو لا يعلن قدرة لوجستية فقط؛ بل يعلن أن مصر وحدها تقريبًا تتحرك بينما الطرف الإسرائيلى يناور ويؤجل ويُعيد صياغة قواعد اللعبة كل 48 ساعة، القضية اليوم ليست «هل سننتقل إلى المرحلة الثانية؟» بل: هل الطرف الإسرائيلى يملك مصلحة أصلًا فى وجود مرحلة ثانية؟
إسرائيل: استراتيجية التعطيل المتعمد
كل مؤشرات السلوك الإسرائيلى تقول شيئًا واحدًا: المرحلة الثانية تهدد بقاء المشروع السياسى للحكومة الحالية، لذلك يتم خنقُها قبل أن تولد و المرحلة الثانية تعنى بحكم الاتفاق خطوات لا يرغب فيها نتنياهو: من إعادة انتشار وانسحابات واسعة و ترتيبات أمنية ملزمة و بنية حكم فلسطينية جديدة داخل القطاع و دور عربى مباشر و تقييد القوة العسكرية داخل غزة.
كل هذا يعنى شيئًا واحدًا داخل إسرائيل: نهاية نتنياهو سياسيًا، ولهذا يهرب إلى «فتح جبهات جانبية» كى يثبت لجمهوره أنه لا يزال ممسكًا بالميدان ولذلك بالضبط، ومع كل محاولة عربية لإحياء الاتفاق، ترد إسرائيل بتحريك جبهة الضفة الغربية: اعتقالات جماعية، اقتحامات، اغتيالات، هدم منازل، توسيع مستوطنات كأنها تقول للعالم: «طالما تُلزموننى بتهدئة فى غزة، سأصنع حربًا هادئة فى الضفة» هذه ليست مصادفة، بل جزء من معادلة الضغط التى يستخدمها نتنياهو مع الداخل الإسرائيلى ومع الوسطاء.
عن «تكتيك إطالة الزمن»
إسرائيل اليوم تراهن على عنصر واحد: الزمن كلما طال أمد المرحلة الأولى، تآكل الاهتمام الدولي، وخفت أثر الضغط الشعبى فى الغرب، وتراجعت فاعلية الوسطاء، هذا التكتيك ليس جديدًا فى العقيدة الإسرائيلية، هو نفس الأسلوب الذى استخدمته تل أبيب فى الضفة منذ ٢٠٠٥: إدارة الوقت بدلًا من إدارة الحل، تعطيل المساعدات، فتح جبهة الضفة، المفاوضات المتعثرة، كلها أدوات لإبقاء اللحظة السياسية «معلّقة» حتى تضمن إسرائيل أن المرحلة التالية ستأتى بشروطها لا بشروط الاتفاق الأصلى.
الضفة: الحرب التى لا تُعلن المفارقة أن الضفة اليوم تُعامل باعتبارها «منطقة بلا كاميرات دولية» وهو ما يفسر تصعيد إسرائيل فيها دون اعتبار للاتفاق، إذا كانت غزة هى مركز الضغط الدولى، فالضفة هى «هروب الطوارئ» الذى يسمح لإسرائيل بإبقاء الصراع مشتعلًا دون أن تُتهم رسميًا بكسر الهدنة لهذا تحديدًا قالت السلطة الفلسطينية إن ما يجرى «جريمة حرب لأن المواجهة تتوسع جغرافيًا لتمنح إسرائيل مساحة للمناورة خارج إطار الاتفاق، القضية إذن ليست غزة وحدها، القضية هى الإقليم كله، وجغرافيا الصراع كلها، والمعادلة السياسية كلها.
الأوروبيون: اعتراف متأخر بديناميكية معطوبة
حين تقول مفوضة الاتحاد الأوروبى: «غزة تحتاج تدفقًا وافرًا للمساعدات وعلى إسرائيل السماح لوكالات الأمم المتحدة بالقيام بدورها» فهى عمليًا تُعلن الآتى: الاتحاد الأوروبى يرى أن إسرائيل تتعمد إبطاء المساعدات كوسيلة ضغط سياسية و هذه لغة غير مسبوقة من مسئول أوروبى رفيع، والحقيقة أن أوروبا لم تعد قادرة على الدفاع عن سلوك إسرائيل، خصوصًا مع الشتاء الذى أصبح أخطر من القصف نفسه، ومع وجود البشر فى العراء بلا سقف أو غذاء أو دواء، الاتحاد الأوروبى بدأ يدرك أن استمرار إسرائيل بهذه الطريقة يجعل أوروبا شريكًا صامتًا فى صناعة كارثة إنسانية وهذا هو سبب لهجة المفوضة: ليست تعاطفًا بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من المصداقية الأوروبية.
حول «اختبار الإرادة الدولية»
الحقيقة أن ما يحدث اليوم يكشف أيضًا هشاشة الإرادة الدولية أمام اختبار بسيط: هل تستطيع الدول الكبرى فرض اتفاق وقّعت عليه بنفسها؟ ما نراه من تباطؤ وتردد يوضح أن المجتمع الدولى ما زال يتعامل مع الملف الفلسطينى كأنه أزمة «موسمية»، وليست أزمة بنيوية تحتاج حسمًا سياسيًا لا مجرد بيانات إدانة والنتيجة أن إسرائيل أصبحت تتصرف وكأنها فوق قواعد الاتفاق، لأن الأطراف الضامنة نفسها لا تُمارس وزنها السياسى كما يجب هذا الفراغ الدولى يمنح تل أبيب مساحة واسعة للتمدد والمراوغة، ويُصعّب على الأطراف العربية تثبيت أى تقدم حقيقى على الأرض
مصر: الطرف الوحيد الذى لا يمتلك رفاهية الانسحاب
بينما يتلاعب الآخرون بالخرائط والمرحلة الثانية، مصر وحدها تتصرف كدولة مسؤولة عن بقاء الحياة، لا بقاء التفاهمات، جاهزية شمال سيناء ليست مجرد استعداد لوجستى، هى رد سياسى يقول: «نحن جاهزون للمرحلة الثانية المشكلة ليست عندنا.» فى الحقيقة، مصر تدير ثلاث جبهات متزامنة:
إدخال المساعدات وإدارة الضغط الإنسانى.
منع التهجير وتثبيت الموقف الدولى.
العمل على ضمان استمرار الاتفاق رغم تعمد إسرائيل تعطيله.
هذه ليست وظيفة وسيط، هذه مسؤولية دولة تُدرك أن انهيار غزة يعنى انهيار معادلة الأمن على حدودها.
عن «ضرورة توسيع إطار المعادلة»
ولعل الخطأ الأكبر سيكون الاكتفاء بمعالجة غزة بمعزل عن المشهد الأوسع فالحل الحقيقى لا يمكن أن يكون «مرحلة ثانية» داخل قطاع محاصر، بينما الاحتلال يتوسع فى الضفة، والواقع السياسى الفلسطينى نفسه فى حالة انقسام عميق المطلوب اليوم ليس مجرد تنفيذ بنود اتفاق، بل إعادة صياغة إطار كامل يربط غزة والضفة بالمعادلة الإقليمية، ويمنع إسرائيل من استخدام «تجزئة الملفات» كأداة للهروب من أى التزام هذا الربط هو ما يجعل الضغط الدولى فعالًا، وما يمنع العودة إلى نقطة الصفر بعد كل جولة: لا هدنة كاملة… ولا حرب شاملة… بل إدارة صراع تُبقى الملفات مفتوحة، القضية الفلسطينية اليوم فى ،حالة «تعليق متعمد» لا تتقدم ولا تتراجع ولا تموت ولا تُشفى لأن الطرف الذى يملك إنهاء المرحلة الأولى، لا يريد بدء المرحلة الثانية.
والسؤال الحقيقى الآن ليس: متى يبدأ الطور الجديد؟ بل: كيف نمنع أن يتحول هذا التعطيل إلى إستراتيجية طويلة؟ والإجابة تكمن فى:
نقل الضغط الدولى من «وقف النار» إلى «بدء المرحلة الثانية».
ربط الضفة بغزة سياسيًا وأمنيًا.
كشف المراوغات الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي، لا الاكتفاء بإدارتها خلف الأبواب المغلقة.
استمرار الدور العربى ومصر تحديدًا فى حماية الإطار السياسى من الانهيار.
القضية لا تموت… لأنها ليست حدثًا، بل هيكل كامل من الحقائق السياسية والتاريخية وكل مرة تظن إسرائيل أنها دفنت الملف، يعود ليقف فى وجهها… بصيغة جديدة، بضغط جديد، وبجبهة جديدة وما يجرى الآن هو فصل آخر من نفس الرواية: رواية تُكتب ببطء لكن لا يستطيع أحد أن يكتب نهايتها.

الذكاء الاصطناعى سفينة نوح
الكل فى «ضهر المنتخب»
انتهاك إيرانى







