أوراق شخصية

فى حضرة محمد صبحى

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


بعض الأشخاص لا يمرّون فى حياتنا مرورًا عابرًا، بل يصيرون جزءًا من تكويننا الفكرى والعاطفي، يؤثرون فى وعينا ويتركون بصمتهم على حواراتنا مع الحياة ومع الوطن. من بين هؤلاء، يقف محمد صبحى فى وجدانى لا كفنانٍ كبيرٍ وقامة فنية، بل مبدع اقتربتُ منه إنسانيًا وفكريًا، عبر سنواتٍ طويلة من الصداقة واللقاءات والمناقشات والزيارات المتكررة لمدينة سنبل، ذلك المكان الذى لا يشبه إلا صاحبه، مسرحًا للحلم وذاكرة للوعى واليقين بأن الفن قادر على حماية النبل الإنساني، ومساحةً عابقةً بالحب والصدق والإيمان بالوطن.

قبل أيام، تلقيت المكالمة التى ما زلت أستعيد وقعها على روحي. كان صوته لا يزال يحمل ذلك الصفاء الواثق، حين قال لى إنه خرج من المستشفى شعرت بالارتياح، وهنأته بصدقٍ يليق بقلقٍ كنت أخفيه. وأخبرته برغبتى فى زيارته، لكنه أجاب بابتسامةٍ أحسستُ بها دون أن أراها: «سنلتقى فى المسرح بمناسبة تكريمى من اتحاد المبدعين العرب»، لم أفاجأ بالتكريم نفسه - فالرجل جدير به- وإنما بالقدرة على تحويل التعافى من محنةٍ صحية إلى عودةٍ احتفاليةٍ للحياة، كأن المسرح هو موعده الطبيعى مع الشفاء.

حين وصلت للاحتفالية، كان المشهد أشبه باحتضانٍ جمعيٍ مفعمٍ بمحبة واحترام. وبدفءٍ إنسانيٍ عميق، وجوهٌ فرِحة، تصفيقٌ يخرج من القلب لا من البروتوكول، ونظراتٌ تفيض بالامتنان لهذه العودة. وجو مشبع بأننا لا نحتفى بفنانٍ عاد إلى مسرحه، بل بإنسانٍ عظيمٍ لم يتخلَّ يومًا عن رسالته. وعندما وقف على المسرح متوَّجًا بوسام التفرد فى الإبداع الثقافي، شعرت بأن التكريم اكتسب قيمته من اسم المكرَّم لا العكس. فهو لا يُمنح الأوسمة بوصفها نهاية مسيرة، بل تجديدًا لعهدٍ إبداعى مستمر، ومسئوليةٍ أخلاقية تجاه الفن والإنسان والوطن.

لقد شهدتُ جزءًا من مسيرة هذا الفنان القدير، ورأيت شغفه، وإصراره، وأحلامه المحفورة فى وجدانه، وكيف حوّل المسرح إلى مساحةٍ لبناء العقل والروح معًا، لكنى أدركت فى تلك الأمسية أن الإبداع ليس ما يقدمه على المسرح فقط، بل ما يزرعه فى أرواحنا، 
وأن صوت الوطن يخرج أحيانًا من حنجرة فنانٍ صادقٍ قبل أن يخرج من بيانات السياسيين.

 إن عودة صبحى إلى الخشبة ليست مجرد حدث، بل هى إعلان هادئ وشجاع بأن الإبداع الحقيقى لا يشيخ، ولا يستسلم، ولا يترك صاحبه حتى آخر لحظة من العطاء.